في مساءٍ يكتظّ بالظلال، ويكتنفه صمت يشبه تمثالاً صُنِع من الهواء، كان "إياد" يسير على ضفاف النهر القديم الذي اعتاد منذ سنوات طويلة أن يكون ملجأه الأخير، حين تضيق عليه الأزقّة ويرتبك داخله صخبٌ لا يعرف له اسماً.
لم يكن النهر بالنسبة إليه مجرد مجرى ماء، بل كان مرآةً يحدّق فيها لعلّه يرى الملامح التي تخبّئها الحياة تحت طبقات من التعب، وقد اعتاد أن يجلس على صخرته المفضلة، يراقب انعكاس السماء، ويُصغي إلى نبضه المتململ كأنه يريد أن يخبره بشيء عجز العقل عن فهمه.
ذلك المساء، حمل الهواء رائحة مطرٍ بعيد، وطيوراً تتجمع فوق أسلاك الكهرباء كأنها تستعد لرحلة لا يعرف أحد إلى أين تمضي. وقف "إياد" هناك، وعيناه تمتدّان نحو الأفق حيث الشمس بدأت تذوب في زرقة النهر.
تمتم بصوت خافت، كأنه يفرغ شيئاً عالقاً في صدره:
"قلبي يتكلم بلغة لا تعرفها… يحمل أسراراً مثل نجوم بعيدة تلمع في ليل صامت."
كان يشير بكلماته إلى "ليان"، الفتاة التي دخلت حياته مثل موجة هادئة، ثم بدأت شيئاً فشيئاً تُربكه من حيث لا يدري. لم تكن قصتهما قصة حب مألوفة، بل علاقة تائهة بين بوح مكتوم ورغبة خجولة وغيوم ترفض أن تمطر.
لقد أحبّها بطريقة لا تشبه ما يرويه الناس، ولم تكن هي تتقن قراءة تلك الطريقة.
كم مرّة نظر إليها وهو يتمنى لو تستطيع عيناها أن تتسلل خلف جدران قلبه، لكنها لم تفعل.
كان يحدثها فتبتسم، لكنه يدرك أن ابتسامتها لم تلتقط ما يخفيه صوته.
كانت تقترب منه، لكن البعد بينهما بقي قائماً، كالبرودة التي تتسلل بين أصابع يدين متقابلتين لا تلتقيان.
كان يقول في نفسه:
"هي تنظر لكنها لا ترى… تحاول لكنها لا تدرك… كأن بيننا بحراً من ضباب."
لم يكن يلومها، ولم يكن غاضباً منها. كل ما في الأمر أنّ قلبه كان يحمل ما لا تستطيع الكلمات وصفه، وما لا يُفتح بسهولة لمن لا يحمل المفتاح الصحيح.
بداية الحكاية
تعرّف "إياد" إلى "ليان" قبل سنوات قليلة، في مكتبة صغيرة تُطل على حديقة عامة. كانت تقف بين الرفوف، تبحث عن رواية ما، وتحدّق في العناوين بكثير من الارتباك. اقترب منها عفوياً، وسألها إن كانت تحتاج مساعدة. رفعت رأسها، وفي تلك اللحظة تحديداً، خُيّل له أنه سمع صوتاً صغيراً داخل قلبه يتحرك للمرة الأولى منذ سنوات طويلة.
كانت مختلفة عن كل النساء اللواتي عرفهن. لا تتعمد إثارة الإعجاب، ولا تُجيد لعبة الكلمات الساحرة. بسيطة، هادئة، ولديها ضحكة تشبه رنين كأسٍ شفافة.
أحبّ فيها الأشياء التي لا يلاحظها أحد: طريقة رفعها لشعرها حين تركز، الطريقة التي تمسك بها الكتاب كأنه كنز، ووقفتها عندما تُفاجأ بفكرة أثناء القراءة.
لكن رغم كل ذلك، كانت هناك مسافة غريبة بينه وبينها… مسافة لا تُقطع بالأقدام، بل بشيء يشبه الصدى الذي يضيع قبل أن يصل.
نبض لا يسمعه أحد
مرّت الأيام، وكلما ازداد اقترابه منها شعر أن قلبه يودّ الهروب من صدره ليقول كل ما عجز هو عن قوله. كان يسمع نبضه بوضوح مؤلم، حتى أنه أخبر صديقه ذات مرة:
"أسمع دقات قلبي بوضوح… كطبلة وحيدة في صحراء شاسعة… يدق نبضاً خاصاً لا يفهمه غيري."
كان يُدرك أن مشاعره فاقت حدود الصداقة بكثير، لكنها لم ترَ ذلك.
لم تكن تبتعد عنه، لكنها أيضاً لم تقترب المسافة التي ينتظرها.
كانت تعامله بودّ، تستمع إليه، وتشاركه بعض تفاصيل يومها، لكنه كان يشعر أن شيئاً ما يحول دون وصوله الكامل إلى عالمها الداخلي.
أحياناً، أثناء حديثهما، كان يودّ لو يضع يده على صدره ليوقف خفقاناً لا يناسب اللحظة. لكنه كان يبتسم، ويجتهد في أن يبدو طبيعياً، بينما قلبه كان يعاني ضجيجاً لا يسمعه أحد سواه.
قال لها مرة دون أن يقصد:
– "أحياناً أحسّ أن قلبي طائر محبوس…"
نظرت إليه باستغراب طفيف، فسكت وأكمل في داخله فقط:
"… يخبط بجناحيه في قفص الصدر، يصرخ من دون صوت، يشير إلى طريق مجهول."
لم يقل لها هذا الجزء.
لم يكن يمتلك شجاعة الاعتراف.
ربما كان يخشى أن يفسد تلك العلاقة الهشة الجميلة…
أو ربما كان يعلم في داخله أنها لن تفهم مشاعره كما يريد لها أن تفهم.
القلب ككتاب مغلق
ذات يوم، جلس معها في مقهى هادئ. كانت تقلب صفحات دفترها، تبحث عن كلمات مناسبة لقصيدة جديدة. بينما كان ينظر إليها بدهشة، ويتساءل: لماذا يستطيع الناس التعبير بسهولة بينما هو يحمل داخله جبلاً من الأحاسيس يعجز عن إزاحته إلى الخارج؟
قال في نفسه:
"أعيش مع قلب ككتاب مقفل بمفتاح ضائع… أوراقه تحتوي عالماً من المشاعر… لكن عيونها لا تقرأ سوى الغلاف."
لم يكن ذلك ذنبها.
لم تكن هي مسؤولة عن ضياع مفتاحه.
هو فقط لم يستطع فتح ذلك الكتاب، لم يستطع تحويل أفكاره إلى كلمات يمكن قراءتها.
كانت "ليان" صفحة مطوية من الرحمة والسكينة، لكنّ قلبه كان "بحراً"، بكل ما تحمله البحار من عمق وموج وعواصف.
وقد قال مرة وهو وحده:
"قلبي بحر… وأمواجه عالية… ربما تحتاج إلى سفينة شجاعة."
لكن تلك السفينة لم تصل أبداً…
أو ربما لم يكن هو مستعداً لاستقبالها.
انعطاف غير متوقع
مرت السنوات، وبقيت العلاقة عالقة بين صداقة غير كاملة وحب غير مُعترف به. ثم حدث ما لم يتوقعه: ابتعدت "ليان" فجأة.
بدأت تقلّ رسائلها، ثم اختفت.
حاول أن يسألها، لكنها كانت تردّ بكلمات مقتضبة.
ثم أخبرته يوماً أنها بحاجة إلى بعض الوقت، إلى مساحة للتفكير.
لم يُظهر انزعاجه.
لكنّه في تلك الليلة شعر بأن شيئاً في داخله انكسر ولم يُسمع صوته.
عاد إلى النهر الذي صار رفيق روحه. جلس على صخرته، وقال لنفسه:
"ربما يبقى هذا السر لي وحدي… كنز لا يعرفه أحد."
كانت تلك الجملة أشبه بحدّ سكين.
لأول مرة، اعترف داخل نفسه أن حبّه ليس قدراً مشتركاً، وأنه ربّما خُلق ليكون حباً أحاديّاً، لا يُكتَب له الوصول إلى شاطئها.
الغياب الذي يكشف الحقيقة
مرّت شهور.
حاول أن يعتاد غيابها، لكنه لم يستطع.
كانت تطلّ عليه في كل زاوية: في المقاهي التي اعتادا الجلوس فيها، فيالمكتبة التي عرفها عندها، وحتى في رائحة المطر التي كانت تحبها.
في تلك الفترة اكتشف "إياد" شيئاً لم ينتبه إليه من قبل:
لم يكن ينتظر منها حبّاً، بقدر ما كان ينتظر منها فهمه.
أن ترى ما لا يراه الناس، أن تلتقط من نبضه ما يهرب من فمه.
لكنها لم تستطع، وهذا ليس خطأها.
في نهاية العام، قرر السفر لمدينة أخرى، باحثاً عن بداية جديدة. لكن قبل رحيله بيوم واحد، حدث ما لم يخطر له على بال.
رسالة قصيرة… تغيّر كل شيء
في ليلة باردة، بينما كان يحزم آخر حقائبه، وصلته رسالة من "ليان".
كانت قصيرة جداً، لكنها هزّت قلبه:
"إياد… كنت أرى أكثر مما تظن، لكنني كنت خائفة من أن أخطئ فهمك، أو أخطئ بحقك. لو كنت أعلم أن صمتك يبتلع كل تلك المعاني… لسمعتك بطريقة مختلفة."
جلس على السرير، يقرأ الرسالة مراراً.
لم تكن اعترافاً بالحب، لكنها كانت اعترافاً بأنها لم تكن عمياء كما ظن.
كانت فقط تتعامل بحذر، وتخشى أن تبني شيئاً لا تفهم أساسه جيداً.
كتب لها:
– "كنتُ أخاف من البوح… لأنني لم أكن واثقاً أن قلبي سيُفهم."
ردّت بعد دقائق:
– "لو تكلمت لسمعتك، ولو صرخت لاقتربت أكثر… لكنك بقيت بعيداً داخل نفسك."
تلك الليلة كانت مليئة بالصمت الثقيل.
أدرك أنهما كانا واقفين على باب واحد، لكن كل واحد منهما كان على جهة مختلفة، ينتظر الآخر ليفتح.
اللقاء الأخير
دعتْه للقائها قبل سفره، على مقعد خشبي في الحديقة التي تعرفها جيّداً.
حين وصل، وجدها جالسة، تضم معطفها حول كتفيها.
كانت ملامحها تحمل قلقاً لم يره من قبل.
قالت له بصوت منخفض:
– "لم أرد أن أكون ظلاً في حياتك، ولم أرد أن أكون حلماً لا يُمسك. وكنت أخشى أن أمنحك شيئاً لا أفهمه تماماً."
سكت قليلاً، ثم قال:
– "لم أطلب منك شيئاً… كنت فقط أنتظر أن تشعري بما لا أستطيع قوله."
أطرقت الأرض، ثم رفعت رأسها:
– "وكنت أنتظر أن تقول… لأنني لم أرد أن أكون مخطئة في فهمي."
تبادلا صمتاً طويلاً.
اعترافٌ بلا صوت
لم يعترف لها.
ولم تعترف له.
لكن شيئاً بينهما انكسر، ليس لأنه لا يستحق الاستمرار، بل لأنه وُلِد في عالم الكلمات الضائعة والبوح المتردد.
وقفت أخيراً، وقالت:
– "أتمنى أن تجد من يسمع نبضك كما يجب."
ثم ابتعدت، دون أن تلتفت.
أما هو، فجلس وحده، وابتسم بتعب:
– "ربما كان عليّ أن أصرخ… لكن قلبي اختار الصمت."
في تلك اللحظة، أحسّ أنه يتصالح مع حقيقته:
ليس كل حب يولد ليكتمل، وليس كل قلب يُفهم، وليس كل كتاب يُفتح.
لكنه أدرك شيئاً أهم:
أن القلوب ليست عيوناً، وأن العيون ليست آذاناً، وأن البوح حين يتأخر يصبح جزءاً من الماضي، لا من المستقبل.
النهاية التي ليست نهاية
سافر "إياد" في صباح اليوم التالي، وهو يحمل في قلبه هدوءاً لم يعرفه من قبل.
لم ينسَ "ليان"، ولم يحاول أن ينساها.
لكنه عرف أخيراً أنه لا يحتاج منها أن تفهمه كما لو أنه لغز، بل يكفي أن يفهم هو نفسه، ويعرف كيف يفتح كتابه لمن يريد قراءته يوماً.
ومع مرور السنوات، حين عاد إلى المدينة ذات مساء، مرّ قرب الحديقة القديمة، وتذكّرها.
ابتسم بهدوء، كأنّه يشكرها على تلك المرحلة من حياته، ويشكر قلبه لأنه رغم خوفه، تجرأ على الحب.
ولأول مرة، شعر أن قلبه لم يعد طائراً محبوساً…
ولا كتاباً مقفلاً…
بل نافذة مفتوحة…
تأتيها الريح دون خوف.

أرائكم تسعدنا:لمتابعة التعليق حتى نرد عليك فقط ضع إشارة على إعلامى