الجزء الثاني: أسرار الأعماق وظلال موركان
كان الصمت يلف الكهف الغارق في الظلام بعد أن دوّى صوت موركان المهيب.شعر آدم بأن قلبه يكاد يقفز من صدره، بينما كانت لِينا تمسك بذراعه بقوة.
لم يكن يرى سوى العيون الحمراوين في الظلال، تراقبهما ببطء.
وفجأة، دوّى صوت الماء وهو يضطرب حولهما، وخرج من الظلام كائن ضخم نصفه العلوي يشبه الإنسان ونصفه السفلي يشبه الأخطبوط، شعره كالدخان الأسود، وذراعه تلتف كالأمواج.
قال موركان بصوت يملأ المكان:
"أيها البشري الصغير... أتيت لتسرق ما تبقى لي؟"
أجاب آدم وهو يحاول أن يبدو شجاعًا:
"لم آتِ لأسرق شيئًا، بل لأعيد قلب البحر إلى مكانه!"
ضحك موركان ضحكة مدوية جعلت الماء يهتزّ حولهم:
"قلب البحر؟ ذلك الحجر لم يعد كما كان... لقد امتصّ قوتي، وصار جزءًا مني! لن يُنتزع إلا إن جرؤ أحد على تحدي أعماق الظلال!"
تقدمت لِينا خطوة إلى الأمام وقالت بشجاعة:
"لقد دمرت مدينتنا، وأفسدت البحر! لن نسمح لك بالاحتفاظ به!"
أشار موركان بذراعه، فبدأت تيارات سوداء تدور حولهما بقوة. أمسكت لينا بآدم وسحبته بعيدًا خلف صخرة ضخمة.
همست له:
"يجب أن نهرب الآن! لا يمكننا مواجهته هكذا!"
لكن قبل أن يتحركا، هزّت دوامة ضخمة الكهف، وجرفتهما بقوة بعيدًا عن المدخل.
🌊 في قبضة الظلام
عندما فتح آدم عينيه، وجد نفسه في قاعٍ مظلمٍ تمامًا.
كان محاصرًا بين الصخور، وبالكاد يستطيع التنفس رغم اللؤلؤة المضيئة التي ما زالت على صدره.
حاول أن يصرخ، لكن صوته لم يخرج سوى كفقاعات.
ثم سمع صوتًا خافتًا يناديه من بعيد:
"آدم... تمسّك بي!"
كانت لِينا تسبح نحوه بسرعة، شعرها يتحرك مع التيار كخيوط ضوءٍ فضي. أمسكت بيده وسحبته بقوة حتى خرجا من بين الصخور.
لكنهما لم يكونا وحدهما — خلفهما، ظهرت مخلوقات ظلّية تشبه الغواصين القدامى، بوجوهٍ مخفية داخل خوذ معدنية داكنة، تتحرك ببطء لكنها لا تتوقف عن الملاحقة.
قالت لِينا بصوتٍ مرتجف:
"إنهم حرّاس موركان... أرواح الغواصين الذين حاولوا سرقة قلب البحر في الماضي."
أمسك آدم بيدها وقال بحزم:
"لن أدعهم يأخذوننا. هناك طريق آخر، أليس كذلك؟"
أومأت:
"نعم، ولكن علينا المرور عبر ممرّ الدوامة الزرقاء، إنه خطر، لكنه الطريق الوحيد للخروج."
🌀 ممرّ الدوامة الزرقاء
سبح الاثنان عبر نفقٍ طويل تحيط به طحالب مضيئة بلون أزرق ناعم.
كان صوت البحر هنا مختلفًا، كأنه يهمس بأغنية حزينة.
في نهاية النفق، رأيا بوابة دائرية من الماء تدور كدوامة كبيرة، وفي داخلها ومضات ضوء تشبه النجوم.
قالت لِينا:
"علينا أن نعبر بسرعة قبل أن تنغلق!"
أخذ آدم نفسًا عميقًا، وأمسك يدها بإحكام، ثم اندفعا معًا نحو الدوامة.
في لحظة، شعرا كأنهما يطيران بين أمواج من الضوء، ثم وجدا نفسيهما في مكانٍ غريبٍ لم يروه من قبل.
كانت الأرض هناك مغطاة برمال فضية، والسماء المائية تعكس ألوانًا متغيرة كقوس قزح.
في المنتصف، كانت هناك تماثيل لحوريات قديمة تحمل أصدافًا مضيئة.
قال آدم بدهشة:
"ما هذا المكان؟"
ابتسمت لِينا وقالت بإعجاب ممزوج بالحزن:
"إنه وادي الأسلاف، حيث ترقد أرواح الحوريات الأولى. ربما نجد هنا الإجابة التي نحتاجها."
🐠 روح الملكة القديمة
اقتربا من أحد التماثيل التي كانت تلمع بلونٍ أزرق قوي.
وفجأة، بدأ الضوء يزداد سطوعًا حتى اتخذ شكل امرأة بحرية ضخمة تشبه الملكات، لها تاج من اللؤلؤ وصوت كالموج الهادئ.
قالت الروح بصوتٍ رخيم:
"من أنتما يا صغيري البحر والبشر؟ ولماذا أتيتما إلى وادي الأسلاف؟"
انحنت لِينا باحترام وقالت:
"يا ملكة الأعماق، جئنا نطلب مساعدتك لاستعادة قلب البحر الذي سرقه موركان."
نظرت الملكة إلى آدم بعينين من نور وقالت:
"البشر… دومًا بين الطمع والفضول. ولكن قلبك يبدو نقيًا أيها الطفل. ربما أنت المختلف."
اقتربت أكثر، ولمست جبين آدم بأصبعٍ من الضوء، فمرّت أمام عينيه صورٌ غريبة:
رجل يرتدي بدلة غوصٍ نحاسية يغوص إلى أعماق البحر، يحمل حجرًا أزرق يضيء بين يديه…
ثم يظهر موركان وهو يحاول انتزاع الحجر منه، فيدور صراعٌ رهيب، وينتهي بأن يغرق الرجل، والحجر يسقط بين ظلال البحر.
عندما اختفت الرؤيا، قالت الملكة:
"ذلك الغواص هو من حاول إنقاذ الحجر قبل مئات السنين، لكنه فشل. روحه ما زالت حبيسة في الأعماق، تبحث عن الخلاص. إذا أردتم استعادة قلب البحر، عليكم العثور على روحه أولاً، فهي الوحيدة التي تعرف طريق الحجر الحقيقي."
سألت لِينا بدهشة:
"لكن أين نجده؟"
أجابت الملكة:
"ابحثوا في قاع مقبرة السفن الغارقة، هناك ينام الغواصون الذين حاولوا سبر أسرار البحر."
ثم خفت ضوء الملكة تدريجيًا، تاركة وراءها صدفة صغيرة تلمع باللون الفضي.
قالت لِينا:
"إنها هدية الحماية، ستدلّنا في الظلام."
⚓ مقبرة السفن الغارقة
بعد رحلة طويلة بين الشعاب، ظهرت أمامهما أعداد هائلة من السفن القديمة المكسورة الملقاة على قاع البحر، أشرعتها ممزقة، وسلالمها مغطاة بالطحالب.
كان المشهد مهيبًا وصامتًا كأنه مقبرة من زمن آخر.
قال آدم بصوتٍ منخفض:
"كم من الأسرار تخفيها هذه السفن..."
أجابته لِينا:
"كل سفينة هنا تحكي حكاية من نسيها البحر."
بينما كانا يسبحان بين الهياكل المعدنية، لاحظ آدم ضوءًا ضعيفًا قادمًا من إحدى الفتحات في سفينة ضخمة.
دخل بحذر، وهناك، رأى ما لم يتوقعه:
رجل يرتدي بدلة غوصٍ قديمة جالس على الأرض، ممسك بخوذة نحاسية لامعة، كأنه ينتظر أحدًا منذ قرون.
اقترب آدم ببطء، وفجأة تحرك الرجل!
رفع رأسه، وصدر منه صوتٌ مبحوح عبر خوذته المعدنية:
"مَن… هناك؟"
قال آدم بخوفٍ وفضول:
"أنا آدم... أبحث عن روح الغواص الذي أنقذ قلب البحر."
سكت الرجل لحظة، ثم قال:
"كنت أنا… حاولت إنقاذه، لكن موركان خدعني. جعلني أصدق أنه يريد حماية البحر، ثم سرقه مني. والآن، روحي محبوسة هنا حتى يُعاد الحجر إلى مكانه."
اقتربت لِينا وقالت بحماس:
"نحن سنعيده! فقط أخبرنا أين يوجد الحجر الآن!"
مدّ الغواص يده ببطء، وأشار نحو الشمال حيث يلوح ضوء خافت بعيدًا:
"في أعماق هاوية العاصفة... هناك يحتفظ موركان بالحجر داخل قلب دوامة لا تهدأ. لكن احذروا، فكل من اقترب منها، اختفى إلى الأبد."
ثم نظر إلى لِينا وقال بصوتٍ ضعيف:
"ساعدوه... إن البحر اختاره."
وفجأة، بدأت بدلة الغوص تتفكك إلى فقاعات من الضوء، واختفت روح الغواص بسلام.
سقطت خوذته على الرمل، وتألقت للحظة، ثم انقسمت إلى خريطة بحرية مضيئة.
قال آدم وهو ينظر إليها بدهشة:
"لقد ترك لنا طريقًا!"
🌪️ هاوية العاصفة
قادتهما الخريطة إلى أخطر مكان في البحر — منطقة تُعرف باسم "هاوية العاصفة"، حيث تدور دوامة مائية ضخمة لا تتوقف أبدًا.
كانت التيارات قوية لدرجة أن الصخور تدور حولها، والأسماك تختفي بمجرد الاقتراب منها.
قالت لِينا وهي تمسك بيده:
"إنها هنا... في قلبها!"
لكن كيف سيصلان؟
تذكّر آدم اللؤلؤة المضيئة على صدره، فرفعها نحو الدوامة. فجأة، بدأت اللمعان يزداد حتى كوّنت حولهما فقاعة من الضوء الأزرق، تمنع التيارات من سحبهما.
قال آدم بابتسامة خفيفة:
"يبدو أن البحر معنا اليوم!"
دخلا الدوامة معًا، والضوء يحيط بهما كدرع. في الداخل، كانت المياه تدور بسرعة رهيبة، لكن في مركزها كان هناك حجر أزرق عملاق يضيء كقلبٍ نابض.
وحوله... موركان!
⚔️ المعركة الأخيرة
صرخ موركان بغضبٍ عندما رآهما:
"لن تأخذوه مني! إنه قوتي وخلودي!"
رفع ذراعيه، فانطلقت من حوله دوامات مظلمة كالأفاعي.
أمسك آدم بيد لِينا وقال:
"علينا أن نصل إلى الحجر!"
سبحا وسط الفوضى، بينما كانت الظلال تحاول سحبهما للأسفل.
ضرب موركان الماء بعنف، فاهتزّت الدوامة كلها.
في تلك اللحظة، رأى آدم سلسلة معدنية ضخمة متصلة بالحجر.
أدرك أن عليها أن تُقطع ليستعيدوا قلب البحر.
صرخ:
"لِينا! السلسلة!"
اقتربت لِينا من الحجر، وبدأت تغني بلحنٍ غريبٍ بلغة البحر القديمة.
بدأت السلسلة تضعف شيئًا فشيئًا، لكن موركان اقترب منها بسرعة.
أمسكها بذراعه الأخطبوطية وصرخ:
"لن تفلتي هذه المرة!"
اندفع آدم بكل شجاعته وضرب السلسلة بقطعة صخر حادة كانت بجانبه، فانكسرت فجأة، وانفجر الحجر بضياءٍ قويٍ غمر المكان كله.
صرخ موركان بألمٍ وهو يختفي بين الدوامات، وتحولت المياه من سوداء إلى صافية زرقاء.
🌈 عودة قلب البحر
حين فتح آدم عينيه، وجد نفسه يطفو مع لِينا في بحرٍ هادئٍ تحيط به أشعة الشمس.
في يده الحجر الأزرق، يضيء بنورٍ دافئ.
قالت لِينا بابتسامة مليئة بالفرح والدموع:
"لقد فعلناها يا آدم... البحر عاد إلى حياته!"
صعدا إلى السطح، ورفعت لِينا الحجر نحو السماء، فأرسل ضوءًا عبر الأمواج حتى وصل إلى الصخرة الغامضة، حيث عاد الحجر إلى مكانه الأصلي في الفتحة القديمة.
فجأة، أضاءت الصخرة كلها، وتحولت الجمجمة إلى شكلٍ عجيبٍ يشبه قلبًا ينبض بالحياة.
قال آدم بدهشة:
"لقد كان البحر ينتظر ذلك منذ زمن..."
💎 الوداع الجميل
في اليوم التالي، عاد آدم إلى الشاطئ، لكن لِينا كانت تقف عند حافة الماء تنظر إليه بحزنٍ لطيف.
قال لها:
"هل سترحلين؟"
أجابت بابتسامة:
"نعم، عليّ أن أعود إلى أزورين. لكن البحر سيبقى يحمل اسمك، يا آدم، صديق الحوريات."
ثم مدت يدها، وضعت في يده لؤلؤة صغيرة تشبه التي بدأ بها رحلته الأولى.
"إذا احتجتني يومًا، ألقِها في البحر، وسأكون هناك."
ابتسم آدم، ولوّح لها وهو يراها تسبح بعيدًا، شعرها يلمع تحت ضوء الشمس، حتى اختفت في الأعماق.
جلس على الصخرة التي كانت يومًا تبدو كجمجمة، لكنها الآن صارت كقلبٍ من حجرٍ أزرق ينبض مع الموج.
رفع وجهه نحو الأفق وقال:
"شكرًا يا بحر... على المغامرة."
🐚 النهاية المؤقتة
لكن البحر لا يهدأ أبدًا…
وفي مكانٍ بعيدٍ في الأعماق، كانت فقاعة مظلمة صغيرة تتحرك ببطء داخل الظلال، تهمس بصوتٍ خافت:
"موركان... سيعود يوماً ما..."
لتبدأ مغامرة جديدة في عالم الأعماق… 🌊✨

أرائكم تسعدنا:لمتابعة التعليق حتى نرد عليك فقط ضع إشارة على إعلامى