أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 شريط العناوين

قصة البعد الذي أنقذ الحب

حين يصبح القرب جرحًا، ويغدو البعد علاجًا خفيًا، تنشأ حكايات لا تُشبه إلا أصحابها. هذه قصة حب نضجت بالمسافة، ونجت حين كاد الخوف أن يكسرها.

القصة

في مساءٍ هادئٍ تُشبه نهايات الخريف، حين تتساقط الأوراق ببطءٍ كأنها تُراجع ذاكرتها قبل السقوط الأخير، كانت "ريم" تعود إلى بيتها بعد يومٍ طويلٍ من العمل. المدينة كانت تبدو مزدحمة كما العادة، لكن داخلها كانت تشعر بفراغٍ غريب، فراغ لا يملؤه ضجيج الناس، ولا تكسّره أصوات السيارات. كانت خطواتها بطيئة، كأنها تمشي على حواف الحكاية التي تهرّبت طويلًا من الاعتراف بها.

لم تكن القصة في بدايتها صعبة، كانت مجرد معرفة عابرة بشخصٍ لطيف، يتحرك في الحياة بطمأنينة وكأن كل الطرق صُنعت من أجله. اسمه "مالك". رجل يجمع بين الاتزان والدفء، بين الصوت الهادئ والنظرة الحازمة، بين الصبر والقدرة على اختراق الأسوار التي يبنيها الآخرون حول قلوبهم.

في البداية كانت "ريم" تخشى الاقتراب منه، ليس لأنه مخيف أو غريب، بل لأنها اعتادت منذ سنوات أن لا تمنح نفسها بسهولة. كانت تعرف أن القلب الذي يفتح أبوابه دون حراسة قد يجد نفسه مهجورًا في نهاية الرحلة. لكنها أيضًا لم تستطع تجاهل الطريقة التي كان ينظر بها إليها؛ النظرة التي تشبه وطنًا تبحث عنه منذ زمن بعيد.

ومع الوقت، تحولت الأحاديث العابرة إلى حديثٍ يومي، ثم إلى اعتياد، ثم إلى ما هو أكثر من ذلك… إلى شيء لم تستطع "ريم" أن تُسمّيه لكنه كان يُشبه الطمأنينة.

كانت الأيام تمرّ ببطءٍ جميل، وكل لقاء بينهما يضيف سطرًا جديدًا إلى حكايةٍ لم يعترف أحدهما بأنها بدأت بالفعل. كان "مالك" يقرأها كما لو أنه يعرف خفاياها، وكانت هي تستسلم لصدقه بطريقة لم تفعلها يومًا مع أحد.

ومع ذلك، لم يكن كل شيء مثاليًا، فالقلب الذي تأذّى كثيرًا في الماضي لا يعود بسهولة إلى ثباته. كانت "ريم" تتراجع فجأة، تختفي بلا مقدمات، تُغلق أبوابها كأنها تبني جدارًا يمنعها من الانهيار، بينما كان "مالك" يحاول أن يفهم ما لا يُفهم، لكنه لا يتراجع عنها.

وفي إحدى الليالي، وبعد نقاشٍ طويلٍ بينهما حول أمورٍ صغيرة لكنها تحمل خلفها أشياء كبيرة، عاد كل منهما إلى بيته مثقلًا بما لم يُقَل.

تلك الليلة، جلست "ريم" أمام نافذتها، تطلّ على الشارع الخافت الإضاءة، وهي تحاول أن تفهم لماذا تخاف من السعادة كما تخاف من الحزن؟ لماذا تهرب حين يقترب أحدهم؟ لماذا تشعر بأن الحب جميل جدًا لدرجة أنها تخشى خسارته قبل أن تمتلكه؟

وبينما كانت تغوص في أسئلتها المتعبة، لاحقها صدى عبارة سمعتها ذات يوم لكنها لم تفهم معناها إلا تلك اللحظة:
"بدأتُ أستَوعبُ جيدًا مقولة: قد يُصان الود بالبُعد أحيانًا."

ردّدتها في نفسها مراتٍ كثيرة حتى شعرت بأنها تنبض بداخلها.

نعم… ربما البُعد ليس نهاية، وربما القرب ليس دائمًا الحل. ربما حين نبتعد نمنح أنفسنا مساحة لفهم ما لم نفهمه ونحن في قلب العاطفة، وربما نحمي ما تبقى من العلاقة قبل أن يتحوّل الحبّ إلى شيءٍ آخر… شيء يُفسِد كل الذكريات.

مرت الأيام التالية ثقيلة. قررت "ريم" أن تختفي قليلًا، ليس هروبًا، بل حفاظًا على القلبين معًا. لم تُخبر "مالك"، لكنها أرسلت له رسالة قصيرة قالت فيها:

"أحتاج لبعض الوقت… لا لتركك، بل لأحمي ما بيننا."

لم يُجِب "مالك" فورًا. استقبل الرسالة بصمتٍ يشبه موجةً تضرب صدره ثم تعود إلى البحر دون أن تترك أثرًا.

لكنه فهم… أو حاول أن يفهم.

كان يعرف أنّ "ريم" لا تهرب عبثًا، وأن المسافة التي تطلبها ليست جفاء، بل صراع داخلي بين ما تريد وما تخشاه.

كان "مالك" رجلًا صبورًا، لكنه لم يكن من النوع الذي يعتاد الغياب. الأيام دون صوتها كانت ثقيلة؛ أشبه بقراءة رواية منقوصة الفصول. ومع ذلك، لم يُلاحقها، ولم يُرسل رسائل غاضبة، بل ترك لها الوقت كما تريد.

وفي تلك الفترة، بدأت "ريم" تواجه نفسها لأول مرة دون أي محاولة للهروب. جلست مع مخاوفها، حكت لها عن الخذلان الذي تعرضت له، عن الناس الذين وعدوا بالبقاء ثم رحلوا، عن الطريق الطويل الذي علمها أن تبقى قوية لكنها في الوقت نفسه جعلها تخاف من أن تُكسَر مرة أخرى.

وكلما ازداد فهمها لألمها القديم، بدأت تدرك شيئًا آخر… أن "مالك" لم يكن يشبه أحدًا من ماضيها.
كان مختلفًا.
وفارقًا.
وصادقًا بطريقة لا يمكن تجاهلها.

كانت تفكر كثيرًا في جملة أخرى تعود إليها كل فترة:
"من الوَلاء أن يحمي الإنسان قلبًا أحبّه."

كانت تكررها لتبرر بعدها، لكنها أدركت لاحقًا أن حماية الحب لا تكون دائمًا بالبعد، أحيانًا تكون بالاقتراب، وأحيانًا تكون بالوضوح.

بعد أسبوعين، قررت "ريم" أن تعود، لكن ليس كما كانت… عادت بنية الحديث بصراحة، بنية فتح القلب دون خوف، أو ربما رغم الخوف.

اتصلت بـ "مالك"، فسمع صوتها الذي افتقده أكثر مما اعترف لنفسه. تحدثا قليلًا، واتفقا على اللقاء في المقهى الذي كان أول مكان جمعهما.

حين وصلت، وجدته جالسًا في ركنه المعتاد، يحمل كوب قهوته وينظر عبر النافذة. بدا مُتعبًا قليلًا، لكنه لم يُظهر ذلك حين رآها.

جلست أمامه، وتبادل كلاهما ابتسامة خفيفة لا تشبه أي ابتسامة أخرى.

قالت "ريم":
كنتُ خائفة، خائفة جدًا حتى أني لم أكن أفهم من ماذا أهرب.
أجابها بهدوء:
كنت أعرف… لكني احترمت خوفك كما احترمت حضورك.

تنهدت قليلًا ثم تابعت:
البُعد عالج فيّ أشياء لم أكن أرى حجمها، لكنني أدركت أيضًا أن القرب منك لم يكن يومًا خطرًا، بل الخطر كان في الأشياء التي احتفظ بها داخلي ولم أصارحك بها.
ابتسم "مالك" بعمقٍ يشبه قلبه ثم قال:
كنتُ أنتظر هذا الكلام… لا لأنني أريد أن أضغط عليك، بل لأنني كنت أعرف أنك تحتاجينه.

لم تكن تلك الجلسة مجرد حديث، بل كانت بداية جديدة، بداية تشبه صفحة بيضاء تُكتب بيدٍ أكثر ثقة.

مرت بعدها أشهر طويلة، تغيّرت فيها "ريم" كثيرًا. صارت أكثر اتزانًا، أقل خوفًا، وأكثر قدرة على الاعتراف بحاجتها للحب ولمساحة الأمان التي يمنحها لها "مالك". لم تعد تهرب، ولم يعد هو ينتظر في الظلام، بل أحدهما أصبح سندًا للآخر.

ومع كل شهرٍ يمر، كانت تدرك أن الحب لا ينتهي عند أول خوف، ولا يسقط عند أول عثرة. وأن البعد ليس هزيمة، بل وسيلة أحيانًا لإنقاذ ما لا يستطيع القرب إصلاحه.

كانت تقول له دائمًا:
لو لم أبتعد، لما فهمت قيمي، ولا فهمت قيمتك.
وكان يجيبها بابتسامته المعتادة:
ولو لم تعودي، لما اكتملت الحكاية.

لكن الحياة لا تمضي على خط مستقيم، وذات يومٍ واجه "مالك" مشكلة كبيرة في عمله، مشكلة أثرت على استقراره لأسابيع طويلة. صار عصبيًا، متوتّرًا، صامتًا أغلب الوقت. وحتى "ريم" لم تستطع الوصول إلى قلبه على النحو المعتاد.

كانت تعرف أنه يمرّ بوقتٍ صعب، لكنه لم يرد أن يحمّلها همومه، فابتعد قليلًا، ليس عنها، بل عن العالم كله.

وفي تلك الفترة، فهمت "ريم" المعنى الحقيقي للجملة التي لطالما أعادت ترديدها:
"البُعد لا يعني دائمًا الرحيل والفقد… قد يُعالج البُعد أمورًا لم يستطع القُرب علاجها."

تركته يتنفس، لكنه لم تكن مسافة هروب، بل مسافة دعم. كانت موجودة بصوتها، لكن ليس بإلحاح. كانت تُطمئن دون أن تُثقل. تُلوّح بالأمان دون أن تُطالب.

وبعد أسابيع، عاد "مالك" إلى طبيعته، وعاد أكثر قربًا منها، كأن الأزمة لم تجرّده إلا من القلق، وأعادته إلى النضج.

وفي ليلة من ليالي الشتاء، وهما يسيران تحت المطر الخفيف، توقف "مالك" فجأة، أمسك يدها وقال:

أتعلمين؟ لولا البُعد الذي مررنا به، لما كنتِ بهذا الوضوح الآن… ولما كنت أنا بهذا الثبات.
ابتسمت وقالت:
أحيانًا نختار البعد حتى لا يصل الحب إلى نهاية منعطفه… حتى لا يتبدل شعور الحب بالكراهية.
هزّ رأسه موافقًا وأضاف:
ولهذا السبب لن أتركك مرة أخرى.
ولا أنا… قالتها "ريم" بثقةٍ لم تعرفها في نفسها يومًا.

وهكذا… اكتملت الحكاية التي بدأت بخوف، ومرت ببُعد، وانتهت بقربٍ أقوى من أي بداية.

قصة تثبت أنّ:
الحبّ الحقيقيّ لا يهرب…
بل يتوقف، يفكر، يتألم، ثم يعود أقوى مما كان.

سحر العيون
سحر العيون
أكتب وأعبّر عن أفكاري ومشاعري من خلال القصص والقصائد، أستوحي إلهامي من تفاصيل الحياة والخيال. أكتب لألامس القلوب وأثير التأمل في المعاني الإنسانية. أؤمن بأن الكلمة قوة قادرة على التغيير والإلهام، وأجد في الكتابة عالمي الذي أتنفس فيه الإبداع.
تعليقات



    🅰