في أحد الأزقة القديمة، يبدأ الخير بخطوة بسيطة، لكن سرعان ما يتحول إلى اختبار قاسٍ. شاب طيب يهب ماله لقلبٍ منكسر، فيكسب دعاءً صادقًا… ويوقظ في المقابل حقدًا دفينًا. إشاعات، خيانة، وخطة مظلمة تُحاك في الخفاء، تنتهي بليلة اختفاء غامضة خارج المدينة. فهل يكون الخير ضعفًا كما يراه البعض، أم قوة لا تنكسر مهما تكالبت عليها الأيدي؟ الجزء الأول يكشف بداية الصراع حين يُحاصر الإحسان بالشر.
الجزء الأول من القصة
في أحد الأحياء القديمة من المدينة، كان يعيش شاب يُدعى "ماهر". عُرف بين الناس بأخلاقه العالية وحبه لمساعدة الآخرين، فلم يكن يرد سائلًا ولا يرفض طلبًا لأحد. اعتاد أن يقضي وقته بين عمله في مكتبة صغيرة ورعايته لوالدته المريضة، التي كانت تعاني من مرض مزمن يجعلها طريحة الفراش.
كان ماهر يجد في فعل الخير راحة داخلية لا يعرف سرها، كأن شيئًا في قلبه يخبره أن ما يزرعه اليوم سيحصده غدًا، حتى لو لم يظهر أثره في الحال.
في أحد الأيام، وبينما كان يغلق مكتبته عند الغروب، سمع صوت صرخة تأتي من الزقاق المجاور. لم يتردد لحظة، بل أسرع نحو مصدر الصوت ليجد امرأة مسنّة ملقاة على الأرض وقد سُرقت حقيبتها. حاول أن يطمئنها وساعدها على الوقوف، ثم قرر أن يرافقها حتى منزلها.
في الطريق، كانت المرأة تبكي بحرقة وتردد:
"لماذا كل هذا الشر في قلوب الناس؟ لقد أخذوا ما أملكه من مال، وأنا لا أملك غيره لأدوي مرضي."
أخرج ماهر من جيبه ما تبقى من راتبه الشهري وقدّمه لها قائلاً:
"اعتبريه دينًا عليّ حتى تستطيعي إعادته، أو هدية صغيرة إن لم تتمكني من ذلك."
نظرت إليه بعينين دامعتين، ووضعت يدها على يده قائلة:
"يا بُني، لست بحاجة إلى ردّ المال. دعائي لك يكفي. ستجد الخير أمامك كما فعلته معي."
عاد ماهر إلى بيته متأخرًا، لكن قلبه كان مليئًا بالرضا. جلس إلى جوار والدته يروي لها ما حدث، فابتسمت وقالت:
"الخير لا يضيع يا بني، لكن تذكر أن هناك أناسًا لا يقابلون الخير إلا بالشر. كن حذرًا."
لم يأخذ ماهر كلامها على محمل الجد، فقد كان يظن أن النوايا الطيبة كفيلة بفتح القلوب.
مرت الأيام، وذاع صيت ماهر في الحي حتى صار مرجعًا لكل محتاج، سواء كان مالًا أو نصيحة أو كلمة طيبة.
لكن في المقابل، بدأ بعض الناس ينظرون إليه بعين الحقد والغيرة. كان بينهم رجل يُدعى "مروان"، معروف بجشعه ودهائه، وكان يدير أعمالًا مشبوهة في السوق. كان يرى في وجود ماهر عقبة أمام مصالحه، إذ كان الناس يثقون في ماهر ولا يلتفتون لمروان، حتى حين حاول استغلال حاجاتهم.
في إحدى الليالي، جلس مروان مع أعوانه في مقهى مظلم وقال لهم:
"ذلك الشاب بدأ يأخذ مكانتي بين الناس. لا يملك مالًا ولا سلطة، لكنه يُفسد عليّ كل شيء بأخلاقه الكاذبة. يجب أن نُسقطه."
سأله أحدهم: "وكيف ذلك؟ الناس يحبونه ويعرفون صدقه."
رد مروان بابتسامة ماكرة:
"سنجعلهم يشكون في نواياه. سنُظهره بمظهر المنافق الذي يفعل الخير طمعًا في الشهرة أو لتحقيق غايات خفية."
بدأ مروان يحيك خططه. في البداية نشر شائعات بأن ماهر يأخذ المال من الناس ويحتفظ به لنفسه. ثم دفع بأحد أعوانه إلى التظاهر بأنه مريض بحاجة إلى علاج، فذهب ماهر لمساعدته. وبعد أيام قليلة، ادّعى الرجل أن ماهر لم يعطه شيئًا، بل خدعه وأخذ منه أوراقًا مهمة.
انتشر الخبر سريعًا بين الناس، وبدأت الشكوك تتسلل إلى قلوب البعض.
شعر ماهر بالخذلان. كان يظن أن الخير يحمي صاحبه، لكنه وجد نفسه وحيدًا أمام سيل من الاتهامات. حتى أصدقاؤه المقرّبون ترددوا في الدفاع عنه، خشية أن يصيبهم ما أصابه.
عاد إلى بيته مثقلاً بالهموم، وجلس بجوار والدته وهو يقول:
"أمي، هل أخطأت حين وثقت بالناس؟"
نظرت إليه بحنان وقالت:
"لم تخطئ يا بني. لكن تذكر أن الخير طريق طويل مليء بالامتحانات، وأصعبها أن تلتقي بالشر وأنت في قمة عطائك. لا تستسلم."
مرت
أيام صعبة، لكن ماهر قرر أن يثبت براءته بالفعل لا بالكلام. استمر في
مساعدة الناس رغم الإشاعات، وذات يوم وبينما كان يوزع الطعام على بعض
العائلات الفقيرة، ظهر رجل مسنّ من بين الجموع وقال بصوت مرتفع:
"هذا الشاب بريء. أنا رأيت بعيني مروان يدفع أتباعه لنشر الأكاذيب عنه."
أثارت شهادة الرجل ضجة كبيرة، وبدأت خيوط الحقيقة تظهر.
لكن مروان لم يستسلم. قرر أن يوجه ضربة أقوى. خطط لاختطاف ماهر والتخلص منه بعيدًا عن أعين الناس، حتى لا يبقى له أثر.
وفي ليلة مظلمة، وبينما كان ماهر عائدًا إلى منزله، خرج عليه رجلان وأجبراه على الدخول في سيارة سوداء. شعر ماهر بالخوف لأول مرة، لكنه ظل صامتًا. اقتادوه إلى مكان مهجور خارج المدينة، وهناك وجد مروان بانتظاره.
ابتسم مروان ابتسامة باردة وقال:
"ألم أقل لك إنك لن تدوم؟ لقد حاولت أن تنافسني في مكاني، لكنك لم تدرك أن الخير وحده لا يكفي للبقاء."
أجابه ماهر بصوت ثابت:
"أنت مخطئ يا مروان. الشر قد يغلب أحيانًا، لكنه لا يدوم. الخير لا يموت حتى لو خُنق بألف يد."
ضحك مروان ساخرًا وقال:
"سنرى ذلك." ثم أمر رجاله بتركه في المكان المقفر دون طعام أو ماء.
ظن مروان أن ماهر قد انتهى، لكن القدر كان يُخبئ له شيئًا آخر. فبينما كان ماهر يتشبث بالأمل ويبحث عن طريق للخلاص، مرّ راعٍ بسيط من هناك. رآه ملقى على الأرض، فاقترب منه وسقاه ماءً، ثم ساعده على العودة إلى المدينة.
حين عاد، اجتمع أهل الحي حوله، وقد انتشرت أخبار ما فعله مروان. بدأت ثقة الناس في ماهر تعود، لكن قلبه أصبح أثقل مما كان.
جلس ماهر مع نفسه تلك الليلة يفكر:
"هل يمكن للخير أن ينتصر حقًا، أم أن الشر سيظل يتربص بي كلما حاولت مد يد العون؟"
شعر أن معركته لم تنتهِ بعد، بل بدأت للتو...تكمل القصة فى الجزء الثاني

أرائكم تسعدنا:لمتابعة التعليق حتى نرد عليك فقط ضع إشارة على إعلامى