عندما يختفي الحضور ويبقى الأثر، تظل الذكرى تنبض في تفاصيل الأيام… هناك حبّ لا ينسى، مهما حاولت الأيام محوه من القلب.
كانت المدينة هادئة تلك الليلة، لا شيء يُسمع سوى صفير الريح التي تمرّ بين نوافذ البيوت القديمة. جلست ليلى على حافة سريرها تتأمل هاتفها المطفأ منذ ساعات، تتردد في أن تضغط على اسمه المحفوظ في قائمة الأصدقاء القديمة، لكنها تخشى أن تضعف أمام شوقٍ تعرف أنه لم يمت بعد.
مرت سنة كاملة منذ رحيله، سنة من الصمت الطويل الذي يشبه الفقد أكثر مما يشبه الغياب. لم تكن ليلى تحسب أن البعد يمكن أن يُنهك روحها إلى هذا الحد، لكن شيئًا في داخله كان مختلفًا… شيئًا لم تعرف له بديلًا.
تذكرت كيف كان يكتب لها كل صباح: "كيف حالك اليوم؟ هل تناولتِ قهوتك؟ احكي لي عن حلمك الليلة الماضية."
كانت كلماته تشبه دفء شمس شتوية، تدخل قلبها دون استئذان، تبعث الطمأنينة كأنها صلاة خفية.
قالت في نفسها بصوتٍ خافت:
"أعلم جيدًا أنك لن تنساني… لا أحد ينسى شخصًا منحه هذا القدر من الأمان والصدق والاهتمام."
ثم ابتسمت بمرارة وهي تتذكر وعده الأخير: "حتى لو فرّقتنا الأيام، سيبقى صوتك يرافقني كلما سكنت المدينة."
كم كانت تصدق تلك الجملة حينها، وكم كانت تظن أن الوفاء لا يتغيّر بتغيّر الفصول. لكنها اليوم تتساءل إن كان لا يزال يتذكرها كما تتذكره، أم أن الأيام ابتلعته تمامًا كما تبتلع الموجة نقش الاسم على الرمل.
في الجهة الأخرى من المدينة، جلس عادل على مكتبه في شقته الصغيرة المطلة على النهر. كان الليل يثقل على قلبه، والذكريات تتزاحم في رأسه كأنها لا تريد أن تغادر. حاول أن يركز في أوراق عمله، لكن عينيه بقيتا معلقتين على صورة قديمة تظهر فيها ليلى وهي تضحك، شعرها منسدل على كتفيها، ونظرتها تحمل تلك الطفولة التي كان يعشقها.
تنهد وقال في داخله:
"لن يستطيع قلبي التغافل عمّا فعلته من أجلي. قد أتظاهر أحيانًا بالنسيان، لكن الحقيقة أنني لا أستطيع."
كان يعرف تمامًا أن قلبه ما زال يخبئها في زاوية لم تصلها يد الوقت بعد.
كم مرة حاول أن يمحوها من ذاكرته؟ وكم مرة أعادته رائحة عطرٍ عابر أو نغمة موسيقى قديمة إليها؟
في زحام يومه، حين يغيب الجميع وتبقى الوحدة صديقة المساء، يسمع صدى صوتها يرن في أذنه:
"كيف حالك يا عادل؟ طمني عليك… ماذا فعلت في يومك؟"
عندها يدرك أنه مهما حاول، لن يستطيع أن ينساها. لم تكن مجرد امرأة مرّت في حياته، بل كانت الفكرة التي منحته معنى الاستمرار، والأمان الذي لم يجده في أي حضنٍ آخر.
ذات صباحٍ، وبينما كانت ليلى تسير إلى عملها، مرت بجانب مقهى صغير كانا يجلسان فيه كل أسبوع. رائحة القهوة الممزوجة بالياسمين أعادت إليها كل شيء.
توقفت لحظة، أغمضت عينيها، فسمعت ضحكته تتردد في رأسها، ورأت ملامحه كما لو كان يقف أمامها.
كم هو غريب هذا الشعور! أن ترى الغائب حيًّا في كل زاوية، وأن تحسّ بوجوده في كل تفصيلةٍ من تفاصيلك.
قالت لنفسها وهي تسحب نفسًا عميقًا:
"ربما يستطيع الإنسان أن يتناسى، لكنه لا ينسى حقًا… هناك وجوه لا تمحى، وأصوات تبقى تسكن القلب مهما صمتت الحياة."
واصلت طريقها، لكنها كانت تعرف أن شيئًا بداخلها انكسر منذ رحيله، كأن العالم أصبح رماديًا بعد أن كان بلون عينيه.
في تلك الليلة، وبينما كانت السماء تمطر بغزارة، فتحت ليلى صندوقها القديم حيث تحتفظ برسائله الورقية. أخذت واحدة منها، قرأتها بصوتٍ مرتجف:
"ليلى، يومًا ما قد أرحل، لكني أعدك أنني سأبقى أذكرك كلما اشتد الحنين، وكلما شعرت أن الحياة فقدت طعمها، سأبحث عنك في الذاكرة وأكتفي."
ابتسمت بعينين دامعتين وقالت:
"بحثت عني كثيرًا يا عادل؟ أم اكتفيت بالنسيان؟"
لكنها تعرف الإجابة، فحتى وإن بدا بعيدًا، لا بد أنه يتذكرها في لحظةٍ ما، في وقتٍ غير متوقع، حين لا يجد من يسأل عنه بصدق، حين لا يسمع ذلك الصوت الذي كان يصنع من يومه حياة.
أما هو، فكان يجلس تلك الليلة على مقعده قرب النافذة، يراقب المطر وهو يتساقط فوق الزجاج. أمسك هاتفه، فتح المحادثة القديمة بينه وبينها، وراح يقرأ.
كل جملة كانت كخنجرٍ في صدره، وكل ضحكة كتبتها كانت تشبه لحظةٍ ضاعت إلى الأبد.
كتب لها رسالة لم يرسلها قط:
"أعلم أنكِ ما زلتِ غاضبة، وربما تظنين أنني نسيتك، لكن الحقيقة أنني لم أنسك يومًا. أعدك أني حاولت، ولكن لم أجد أحدًا يشبهك… لا أحد يمنحني الأمان كما كنتِ تفعلين."
ثم أغلق الهاتف ووضعه على الطاولة، بينما كانت عيناه تراقبان انعكاس المطر على الزجاج، كأنه يبحث في كل قطرة عن وجهها.
في الأيام التالية، بدا كل شيء عاديًا في حياة كليهما، لكنها كانت العادية التي تقتل.
ليلى تبتسم للناس وتعمل بجدّ، لكنها حين تعود إلى منزلها تصمت طويلاً أمام النافذة، كأنها تنتظر شيئًا لا تعرف اسمه.
وعادل يعيش بين الوجوه، لكنه يشعر أن أحدًا لا يراه حقًا، كأن قلبه بقي هناك، حيث كانت هي.
مرت الشهور، والحنين لا يزال يعزف لحنه الخافت بينهما. لم يلتقيا مجددًا، لكن القدر، بطريقته الغريبة، جمع بينهما دون موعد.
في مساءٍ شتويّ، كانت ليلى تقف في محطة القطار، تحمل حقيبتها الصغيرة، تنوي السفر إلى مدينةٍ أخرى لتبدأ حياة جديدة بعيدًا عن الذاكرة. وبينما كانت تقف تنتظر، سمعت صوتًا مألوفًا خلفها.
التفتت… كان هو.
تجمّدت اللحظة بينهما.
لم يتكلما في البداية، فقط النظرات كانت كافية لتروي كل ما لم يُقل.
قال بصوتٍ مبحوح:
"أتعلمين؟ كنت واثقًا أني سأراكِ يومًا ما… لم أستطع النسيان."
ابتسمت بخفة وقالت:
"ولا أنا. كنت أقول لنفسي دائمًا إنك ستتذكرني فجأة، في زحام يومك، حين لا تجد من يطمئن عليك أو يسألك كيف كان يومك."
اقترب خطوة منها، وكأن السنوات اختفت فجأة.
قال:
"بحثت عن شيء يشبهك، صدقيني، حاولت… لكن لم أجد. كنتِ الأمان والصدق والحب في وقتٍ واحد، ومن بعدك صارت الحياة صدى بلا معنى."
نظرت إليه طويلاً، ثم همست:
"وأنا كنت أحلم فقط أن أكون بجانبك، دون شروط… دون أي مصلحة."
سكت كلاهما لحظة، ثم مرّ القطار وصوت صفيره غطّى على أنفاسهما.
لم يركبا، بقيا واقفين كأنهما يخشيان أن تتحرك الحياة من جديد وتفرقهما مرة أخرى.
في تلك اللحظة، عرفا أن بعض القلوب لا تُشفى بالنسيان، وأن بعض العلاقات لا تنتهي مهما صمتت.
ربما كانا قد افترقا جسدًا، لكن روحيهما بقيتا معلقتين في تلك المسافة الخفية بين الذاكرة والحنين.
في تلك الليلة، كتب عادل في دفتره:
"ربما غابت ليلى عن عيني، لكنها لم تغب عن قلبي. هناك أصوات تبقى، وصدى كلمات لا يموت… كلما سكن الليل، سمعت همسها يقول: كيف حالك؟ طمني عليك؟"
وأغلقت ليلى دفترها هي الأخرى وكتبت:
"أعلم جيدًا أنك لم تنساني، كما أنني لم أنسك… فقط اخترنا أن نحيا بصمت، لأن بعض الحكايات تُروى أجمل عندما تظل ناقصة."

أرائكم تسعدنا:لمتابعة التعليق حتى نرد عليك فقط ضع إشارة على إعلامى