أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 شريط العناوين

قصة واقعية مؤثرة عن الطمع في ميراث الإخوة وعواقبه القاسية

حين يتحول الميراث من نعمةٍ إلى فتنة، تتكشف الوجوه، وتُختبر القلوب، وتُكتب حكاية لا تشبه نهايات الأحلام… هذه قصة عن إخوة فرّقهم الطمع، وجمعهم الندم.

قصة واقعية مؤثرة عن الطمع في ميراث الإخوة وعواقبه القاسية

القصة

كان بيت العائلة العتيق يقف في آخر الزقاق كشيخٍ أنهكته السنين، جدرانه مشققة، وبابه الخشبي يحتفظ بندوب الزمن، لكنه كان يحمل في داخله تاريخًا طويلًا من المحبة والتكاتف. في هذا البيت نشأ الإخوة الأربعة: عبدالرحمن الأكبر، ومحمود الأوسط، وسليم الأصغر، وفاطمة أختهم الوحيدة. عاشوا طفولة بسيطة، تشاركوا فيها الرغيف والضحكة والحلم، تحت ظل أبٍ كريم وأمٍ حنونة كانت تجمعهم حول مائدة واحدة، وتردد دائمًا: “البيت الذي يتفرق أهله ينهار ولو كان من ذهب.”

رحل الأب أولًا بعد مرضٍ قصير، فكان الفقد موجعًا لكنه لم يكسرهم، إذ ظلت الأم عمود البيت، تحنو وتوجه وتصلح ما يفسده الخلاف. ومع مرور السنوات، تزوج الإخوة، وتفرقت مساكنهم، وبقيت الأم وحدها في البيت العتيق، يزورها الجميع في المناسبات، ويقلّ حضورهم كلما ازدادت مشاغل الدنيا.

حين توفيت الأم، انطفأ آخر ضوء كان يجمعهم. اجتمعوا في البيت بعد الجنازة، والسكوت يخيّم على المكان، كأن الجدران تستمع لما يدور في الصدور. لم يكن الحديث عن الحزن طويلًا، فسرعان ما تسلل موضوع الميراث، كضيفٍ ثقيلٍ لا يُستقبل بابتسامة.

قال عبدالرحمن، وهو يرتب نظارته:
“البيت كبير، والأرض خلفه واسعة، ووصية أمي واضحة… لكن علينا أن نُقسّم بعقل.”

ابتسم محمود ابتسامة لم تصل إلى عينيه:
“العقل يقول إننا يجب أن نعرف قيمة كل شيء أولًا، ثم نقرر.”

أما سليم فظل صامتًا، ينظر إلى الأرض، وكأنه يبحث فيها عن شيء ضائع. فاطمة كانت أكثرهم هدوءًا، لكنها شعرت بشيءٍ غريب يتسلل إلى القلوب.

بدأت الخلافات صغيرة، حول تقييم الأرض، ثم حول نصيب كل واحد. عبدالرحمن رأى أنه الأكبر، وأن له حقًا معنويًا زائدًا، لأنه تولّى شؤون الأسرة بعد وفاة الأب. محمود اعتبر نفسه الأذكى في الحسابات، وبدأ يتحدث عن أسعار السوق، محاولًا تقليل قيمة بعض الممتلكات ليزيد نصيبه. سليم لم يطلب الكثير، كان يريد نصيبه العادل فقط، لكنه لم يكن يملك قوة الجدال. فاطمة، التي أوصت الأم دائمًا بأن يُحفظ حقها، وجدت نفسها في موقفٍ صعب، إذ شعرت أن كونها امرأة جعل بعضهم يتعامل مع نصيبها كأمرٍ ثانوي.

تفاقم الخلاف حين اقترح محمود بيع البيت وتقسيم المال. صرخت فاطمة لأول مرة:
“هذا بيت أمنا! هنا ضحكنا وبكينا… كيف نبيعه بهذه السهولة؟”

رد عبدالرحمن ببرود:
“الذكريات لا تطعم خبزًا.”

كانت تلك الجملة كالسهم. سليم رفع رأسه وقال بصوتٍ مكسور:
“لكنها تطعم الروح.”

لم يسمعه أحد. الطمع بدأ يُغلق الآذان.

دخل المحامي على الخط، وبدأت الأوراق الرسمية تحل محل جلسات العائلة. تحولت الزيارات إلى مواعيد في المكاتب، والمصافحات إلى توقيعات جافة. كل واحد صار يرى الآخر خصمًا، لا أخًا.

مع الوقت، ظهرت آثار الطمع. عبدالرحمن خسر هدوءه، وصار سريع الغضب، يتشاجر حتى مع أولاده. محمود، الذي ظن أنه أذكى الجميع، تورط في ديون بسبب محاولته الاستثمار بنصيبه المتوقع قبل أن يحصل عليه. سليم انعزل عنهم، واكتفى بعمله المتواضع، مبتعدًا عن الصراع. فاطمة عاشت قلقًا دائمًا، تشعر بالظلم، لكنها كانت تلجأ إلى الصبر والدعاء.

طال النزاع سنوات. البيت العتيق تُرك مهجورًا، النوافذ مكسورة، والأرض خلفه تحولت إلى مكبٍّ للقمامة. كأن المكان يعكس حال القلوب.

في أحد الأيام، مرض سليم مرضًا شديدًا. لم يعلم به إخوته إلا متأخرًا. دخل المستشفى وحيدًا، لا يرافقه سوى زوجته. حين وصل الخبر لعبدالرحمن، شعر بشيءٍ يتحرك في داخله، لكنه تجاهله، مشغولًا بقضية الميراث.

تدهورت حالة سليم، وقبل وفاته بساعات، طلب رؤية إخوته. اجتمعوا حول سريره، والدموع حائرة في العيون. قال بصوتٍ ضعيف:
“كنت أظن أن الميراث رزق… لكني اكتشفت أنه اختبار.”

صمت الجميع. تابع:
“أمي لم تترك لنا مالًا فقط، تركت لنا بعضنا. ضيّعنا الأهم ونحن نلهث وراء الأقل.”

ثم نظر إلى فاطمة وقال:
“سامحيني… لم أستطع أن أدافع عنك كما يجب.”

وأغمض عينيه، تاركًا خلفه كلماتٍ أثقل من المال.

كانت وفاة سليم صدمة. لأول مرة، شعر عبدالرحمن أن البيت الذي أراد تقسيمه كان يحميهم من التفرق. محمود جلس وحده تلك الليلة، يحسب خسائره، فاكتشف أن الطمع لم يزده إلا فقرًا.

بعد أيام، اجتمعوا مرة أخرى في البيت العتيق. الجو مختلف، الصمت هذه المرة يحمل ندمًا. قال عبدالرحمن بصوتٍ مبحوح:
“أخطأنا… جميعًا.”

محمود أطرق رأسه:
“المال أعمى بصيرتي.”

فاطمة مسحت دموعها وقالت:
“ما زال هناك وقت لنُصلح.”

قرروا التنازل عن بعض حقوقهم المادية لإعادة بناء ما تهدم. اتفقوا على ترميم البيت، وجعل جزءٍ منه وقفًا خيريًا باسم الأم، ليبقى أثرها حيًا. لم يكن القرار سهلًا، لكنه كان بداية شفاء.

لم يعُد سليم، لكن ذكراه صارت جسرًا أعادهم إلى بعضهم. تعلموا أن الطمع لا يأكل المال فقط، بل يأكل القلوب، وأن الميراث الحقيقي ليس ما يُقسَّم في الأوراق، بل ما يبقى في النفوس.

وفي مساءٍ هادئ، جلسوا في فناء البيت بعد ترميمه، يتشاركون الشاي، والضحكات الخجولة تعود. نظرت فاطمة إلى السماء وهمست:
“رحمك الله يا أمي… أخيرًا فهمنا الدرس.”

الحِكَم والعِبَر المستخلصة من القصة

  • الطمع قد يحوّل الأخ إلى خصم، ويجعل المال سببًا للفرقة لا للغنى.

  • الميراث اختبار للأخلاق قبل أن يكون تقسيمًا للأموال.

  • الذكريات والقيم أثمن من أي نصيبٍ مادي.

  • من يتنازل اليوم عن بعض حقه المادي، قد يربح سلامًا يدوم العمر كله.

سحر العيون
سحر العيون
أكتب وأعبّر عن أفكاري ومشاعري من خلال القصص والقصائد، أستوحي إلهامي من تفاصيل الحياة والخيال. أكتب لألامس القلوب وأثير التأمل في المعاني الإنسانية. أؤمن بأن الكلمة قوة قادرة على التغيير والإلهام، وأجد في الكتابة عالمي الذي أتنفس فيه الإبداع.
تعليقات



    🅰