في عالمٍ تحكمه الأرقام وتُقاس فيه القيمة بما نملك لا بما نشعر، تتقاطع أحيانًا طرقٌ لا يفترض أن تلتقي، حيث يجلس الجشع والطيبة وجهًا لوجه على طاولةٍ واحدة. هذه القصة ليست عن المال بقدر ما هي عن الإنسان، عن تلك اللحظات الصغيرة التي تفضح حقيقة القوة، وتكشف أن الغنى الحقيقي لا يُحمل في الجيوب، بل يُسكن في القلوب.
القصة
في زاويةٍ معتمة من مقهى قديم، كان الزمن يبدو وكأنه توقف احترامًا لثقل اللحظة، طاولة خشبية مهترئة تفصل بين رجلين، لكن الحقيقة أن ما بينهما لم يكن طاولة فقط، بل عالمين كاملين لا يلتقيان، أحدهما يلمع بالمال والغرور، والآخر يتشح بالصبر والتعب.
الرجل الأول كان أنيقًا حدّ الاستفزاز، بدلته مصقولة، ساعته تلمع أكثر من عينيه، وفي يده كأسٌ يرفعه بثقة من اعتاد أن يشرب النصر قبل أن يحققه، كان يبتسم ابتسامة لا تعرف الدفء، ابتسامة من يؤمن أن المال يجعل الآخرين ينحنون حتى دون أن يطلب منهم ذلك، وأمامه كومة من النقود الورقية يقلبها ويعدّها لا لأنه بحاجة إلى العد، بل لأن العدّ يمنحه شعورًا بالسيطرة والقوة.
أما الرجل الثاني فكان صورة أخرى للحياة حين تُرهق، ثيابه بسيطة وقديمة، تحمل آثار شقاء طويل لم يجد وقتًا للراحة، يجلس منكمشًا قليلًا، ينظر إلى طبقٍ أمامه لا لأن الطعام كثير، بل لأنه يفكر إن كان يكفيه حتى نهاية اليوم، عيناه لا تبحثان عن المال، بل عن الطمأنينة، عن لحظة يشعر فيها أن الغد لن يكون أقسى من اليوم.
بينهما زجاجة شراب تقف كشاهدٍ صامت على مفارقة قاسية، فالغني يشرب ليحتفل، والفقير يشرب لينسى، وحين بدأ الغني الحديث بنبرة واثقة لا تعرف التردد وهو يقول إن الدنيا فرص والذكي من يلتقطها قبل غيره، لم يرفع الفقير رأسه، اكتفى بابتسامة خفيفة، تلك التي يولد بها من يعرف أن الكلام لا يغيّر الواقع، ثم قال بهدوء إن الدنيا قلوب أيضًا، وإن الخاسر الحقيقي هو من يفقدها وهو يظن نفسه فائزًا.
ضحك الغني ضحكة قصيرة باردة كأنها خرجت من محفظته لا من صدره، وقال إن القلوب لا تُطعم خبزًا، وإن المال وحده يفعل، فرفع الفقير نظره إلى النقود لا بحسد ولا بطمع، بل بدهشة طفل يرى شيئًا لم يُخلق له، وقال إن الخبز الذي يأتي بلا رحمة لا يشبع، فخيّم صمت ثقيل كأنه يزن الكلمات قبل أن يسمح لها بالمرور.
مدّ الغني يده إلى قطعة ذهبية صغيرة، قلبها بين أصابعه ووضعها أمام الفقير قائلًا إنها لا تساوي شيئًا بالنسبة له، لكن الفقير لم يمد يده، بل قال إن الأشياء لا تُقاس بقيمتها عند من يملكها، بل بما تغيّره في حياة من يحتاجها، فتغير وجه الغني وسحب يده بعصبية، وقال إن الطيبة ضعف وإن الضعفاء لا مكان لهم، عندها رفع الفقير رأسه ونظر إليه مباشرة وقال إن الغريب أن الضعيف هو من يحتاج لكل هذا المال ليشعر بالقوة.
وقف الغني يجمع نقوده بعصبية وشرب كأسه دفعة واحدة معلنًا رحيله لأنه لا يملك وقتًا للفلسفة، لكن الفقير مدّ يده هذه المرة لا للنقود بل للكأس، وطلب منه أن يشرب على حسابه، فتردد الغني وجلس دون وعي، وشرب ببطء، ولأول مرة لم يشعر بالنصر بل بشيءٍ يشبه الخسارة.
غادر الغني بعدها حاملًا ماله وساعته وغروره، وبقي الفقير وحده، أنهى طعامه القليل ودفع الحساب كاملًا، خرج إلى الشارع والبرد يلفح وجهه، لكنه كان أخفّ روحًا لأنه لم يحمل في قلبه ما يثقلها، وعلى الطاولة بقيت قطعة نقدٍ واحدة نسيها الغني، تركت خلفها درسًا لم يكن يعلم أنه هو من تلقّاه.
لم يأخذ الفقير القطعة ولم يتركها، نظر إليها قليلًا كأنها سؤال مفتوح عن معنى الحياة، ثم نهض وخرج من المقهى، وفي الخارج كانت الشوارع مزدحمة والوجوه متشابهة لكن القلوب مختلفة حدّ الوجع، مرّ بطفل يبيع المناديل فأعطاه ما في جيبه ومضى دون أن ينتظر شكرًا، لم يكن يملك الكثير لكنه كان يعرف جيدًا كيف لا يصبح فقيرًا من الداخل.
وفي مكانٍ آخر كان الغني يقود سيارته الفارهة، يشعر بضيق غريب رغم أن كل شيء حوله يدل على النجاح، توقف عند إشارة حمراء ونظر إلى انعكاس وجهه في الزجاج فلم يتعرّف عليه، ولأول مرة شعر أن المال لم يكن كافيًا ليشتري راحته، وبقي صوت الفقير يتردد داخله كدينٍ لم يُسدّد.
وهكذا افترق الرجلان، لكن القصة لم تنتهِ، لأن الطيبة حين تُزرع لا تموت، ولأن الجشع حين يكبر لا يقتل الآخرين فقط، بل يأكل صاحبه ببطء.

أرائكم تسعدنا:لمتابعة التعليق حتى نرد عليك فقط ضع إشارة على إعلامى