في عالمٍ يُقاس فيه الناس بما يراه الآخرون لا بما هم عليه فعلاً، كانت "ليلى" تبحث عن ذاتها وسط ضجيج الأحكام والظنون، حتى أدركت أن الفهم لا يُطلب من قلوبٍ أغلقت أبوابها منذ زمن.
كانت السماء رماديةً في ذلك الصباح البارد، وكأنها تشارك “ليلى” ثقل ما تشعر به في صدرها. جلست قرب نافذتها تحدّق في الشارع الذي بات مألوفاً أكثر من وجوه الناس الذين يعبرونه.
كانت تفكر — كعادتها — في كل ما قاله الآخرون عنها، في تلك النظرات التي تخترق صمتها وتفسّر ابتسامتها كما تشاء، في تلك الأحكام التي تُلقى عليها وكأنهم قرأوا سطور حياتها حرفاً حرفاً.
منذ طفولتها، لم تكن ليلى تُجيد التعبير عن نفسها كما يجب. كانت تملك قلباً حساساً، لكنه متلعثم بالكلمات. وعندما كانت تحاول أن تشرح ما في داخلها، كانت العيون أمامها تزداد جموداً، والآذان تصغي بفتور.
كبرت وهي تؤمن أن المشكلة فيها، وأنها إن تعلمت كيف تعبّر بدقة فسيفهمها الجميع. لكن الأعوام علمتها عكس ذلك تماماً.
في عملها كمصممة داخل إحدى الشركات الكبرى، كانت تبذل جهداً مضاعفاً لتنال تقدير من حولها. كانت تصل قبل الجميع، وتغادر بعدهم، تسهر الليالي لتجعل كل مشروع تحفة فنية. ومع ذلك، كان مديرها يجد دائماً ما ينتقده.
قال لها مرة بنبرة جافة:
ـ “أنتِ لا تعرفين كيف تُعبّرين عن أفكارك بوضوح.”
ابتسمت بصمت، وهي تدرك أن أفكارها كانت واضحة أكثر مما يريد، لكنه ببساطة لم يكن يرغب في أن يفهمها.
كانت ليلى تكتب في مفكرتها جملة تكررها كثيراً:
“من يريد أن يفهمك سيفهمك، وإن كان تعبيرك مشوشاً، ومن لا يريد، لن يفهمك ولو كتبت له بدمك.”
ذات مساء، جلست مع صديقتها الوحيدة “ريم” في مقهى صغير يطل على النيل. كان المكان مفعماً برائحة البن وصوت العصافير التي لم يغادرها الخوف من البشر بعد.
قالت ريم وهي تقلب فنجانها:
ـ “ليلى، لماذا تهتمين كثيراً بما يقول الناس؟ أنتِ تعرفين قيمتك.”
نظرت إليها ليلى بعينين فيهما انكسار، ثم أجابت بهدوء:
ـ “أحياناً لا أريد أن يعرفوا قيمتي، أريد فقط أن يفهموني… أن يروا قلبي كما هو، دون أن يلوّنوه بأوهامهم.”
فقالت ريم بحكمةٍ عفوية:
“الناس يا صديقتي لا ترى ما في القلوب، بل ترى ما تريد أن تراه، فوفّري طاقتك لمن يستحق أن يفهمك.”
مرت الأيام، وتوالت المواقف التي أكدت لليلى أن فهم الناس لك لا علاقة له بوضوحك أو غموضك.
حدث مرة أن قدّمت مشروعاً فنياً ضخماً في الشركة، جمع بين التراث القديم والتقنيات الحديثة. أثنى عليه الجميع إلا مديرها، الذي قال ببرودٍ جارح:
ـ “عملك جميل، لكنه لا يعبر عن روح المكان.”
كان يقصد أن عملها لم يعبر عن روحه هو، لا عن المكان. عندها ابتسمت في صمتٍ يشبه الاستسلام، لكنها في داخلها شعرت براحةٍ غريبة. أدركت أخيراً أنها لم تخلق لتُرضي أحداً.
وفي إحدى الليالي، جلست على سطح منزلها الصغير، تتأمل القمر وتكتب في مفكرتها:
“كم من الوقت أضعناه ونحن نحاول أن نبدو أجمل في عيونٍ عمياء! كم من المشاعر خنقناها كي لا نحزن قلوباً لا تهتم بنا أصلاً.”
بدأت ليلى تُغيّر نظرتها للحياة. توقفت عن السعي لإثبات ذاتها للآخرين، وبدأت تكتشف ذاتها الحقيقية. اشترت ألواناً ولوحات، وبدأت ترسم دون هدفٍ تجاري أو نقدٍ خارجي، فقط لأن الرسم جعلها تسمع نفسها بصدق.
كانت لوحاتها تعبر عن فوضاها الداخلية، عن صراعاتها مع ذاتها ومع العالم، لكنها كانت الأجمل في عينيها.
وذات يوم، أقامت معرضاً صغيراً في أحد المراكز الثقافية. لم تدعُ أحداً من عملها، فقط العائلة وبعض الأصدقاء المقربين. كانت خائفة من ألا يفهم أحد ما وراء الألوان والخطوط.
لكنها تفاجأت بأن أحد الزائرين — رجل مسن يحمل ملامح هادئة — وقف طويلاً أمام إحدى لوحاتها، ثم قال بابتسامة خفيفة:
ـ “لقد رسمتِ وجعاً لا يراه إلا من مرّ به.”
كانت تلك الجملة كأنها شفاءٌ لروحها.
أجابت وهي تكاد تبكي:
ـ “شكراً لأنك فهمت.”
فقال الرجل:
“من يتحدث بصدق، لا يحتاج إلى تبرير، فالقلب يفهم ما لا يُقال.”
تلك الليلة كانت نقطة التحوّل في حياتها. لم تعد تهتم بعدد الإعجابات على أعمالها، ولا بعدد الناس الذين يصفقون لها. أصبحت تهتم فقط بصدق ما تقدمه، وبصفاء نيتها فيما تفعله.
أدركت أن من لا يريد أن يفهمك سيظل يراك كما يريد، مهما شرحت له، ومهما وضحت.
مرت سنوات، وأصبحت ليلى فنانة مستقلة معروفة بلوحاتها العميقة. كانت تُدرّس الرسم للأطفال في دار صغيرة للفنون. كانت تخبرهم دائماً:
“ارسموا ما تشعرون به، لا ما يريد الناس رؤيته.”
وفي أحد الدروس، سألتها طفلة صغيرة تُدعى "جود":
ـ “أستاذة، ماذا لو لم يعجبهم رسمنا؟”
ابتسمت ليلى وأجابت بلطف:
ـ “ليسوا جميعاً مطالبين أن يفهموكِ يا جود، يكفي أن تكوني صادقة مع نفسك، لأن من يبحث عن الجمال سيجده حتى في فوضاك.”
بعد انتهاء الحصة، جلست ليلى وحدها في القاعة، تنظر إلى لوحات الأطفال المعلقة. بعضها كان غير متناسق، وبعضها بسيط للغاية، لكنها رأت في كل واحدة منها صدقاً لا يُشترى.
همست لنفسها:
“لقد فهمت الآن… كنتُ أرسم لأجل أن يراني الآخرون، أما الآن فأرسم لأجل أن أرى نفسي.”
في مساءٍ من أمسيات الشتاء، كتبت آخر سطر في مذكرتها القديمة:
“في النهاية، لن يتذكّر الناس كم كنتَ جميلاً في عيونهم، بل كم كنتَ صادقاً مع نفسك. فلا تضيّع عمرك في تحسين صورتك أمام أعين لا تُبصر إلا ما تُريد أن تراه.”
ثم أغلقت الدفتر، وابتسمت.
كان وجهها هادئاً كما لم يكن من قبل، كأنها تصالحت أخيراً مع العالم… ومع نفسها.

أرائكم تسعدنا:لمتابعة التعليق حتى نرد عليك فقط ضع إشارة على إعلامى