في صباحٍ هادئٍ من أيام الخريف، كان «سامي» يسير ببطءٍ نحو المقهى القديم الذي اعتاد ارتياده منذ سنوات. الهواء يحمل رائحة القهوة الممزوجة برطوبة أوراق الشجر، والمدينة ما زالت تتثاءب في كسلٍ جميل، كأنها لا تريد أن تبدأ يومًا جديدًا.
جلس سامي على الطاولة نفسها قرب النافذة المطلة على الشارع، مكانه المفضل، حيث يمكنه مراقبة الناس المارين دون أن يشعر أحد بوجوده.
كان في الأربعين من عمره، وجهه يحمل ملامح رجلٍ أنهكته التجارب، لكن عينيه ما زالتا تحتفظان بوميضٍ خافتٍ من الأمل. كان موظفًا بسيطًا في دائرة حكومية، راتبه بالكاد يكفي مصروفه، يعيش وحيدًا في شقة صغيرة بعد أن انتهى زواجه بالفشل قبل خمس سنوات.
منذ طلاقه، أصبح يطارد فكرة واحدة: كيف يمكن للإنسان أن يعيش سعيدًا رغم كل ما يفقده؟
لم تكن الإجابة سهلة. كان يظن دائمًا أن السعادة تأتي مع شيءٍ ما:
سيارة جديدة، منزل أجمل، حبٍّ جديد، أو فرصة عملٍ أفضل.
لكن كلّ ما جاءه من تلك الأشياء رحل سريعًا، تاركًا وراءه فراغًا أكبر.
بداية التحول
في ذلك اليوم، وبينما كان يحتسي قهوته السوداء، لمح شابًا صغيرًا لا يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، يجلس على الرصيف المقابل يبيع الزهور للمارين.
كان الطفل يبتسم لكل من يمر، رغم أن معظمهم لم يلتفت إليه.
لفت المشهد انتباه سامي، خاصة حين رأى الطفل يمدّ وردةً لامرأةٍ عجوزٍ ابتسمت له بحنانٍ ودعت له بالرزق.
راقب سامي الموقف طويلاً، ثم نهض واتجه نحو الطفل وسأله بلطف:
– كم سعر الوردة يا بني؟
أجابه الصغير بابتسامة مشرقة:
– الوردة بخمسة جنيهات، لكن إن كنت ستعطيها لمن تحب فهي بلا ثمن.
ضحك سامي وقال:
– كلامك أكبر من عمرك.
– أبي كان يقولها دائمًا، قبل أن يرحل. كان يبيع الورود مثلي.
اشترى سامي وردة واحدة وعاد إلى طاولته، وضعها في كوب الماء أمامه، وبقي ينظر إليها صامتًا. شعر بشيءٍ غريبٍ داخله، كأن تلك الوردة الصغيرة أيقظت فيه ما كان نائمًا منذ زمن: البساطة.
استيقاظ البصيرة
في اليوم التالي، عاد سامي إلى المقهى في الموعد نفسه.
كان الطفل موجودًا في المكان ذاته، يبيع الزهور بنفس الابتسامة. جلس سامي مجددًا، وبدأ يلاحظ تفاصيل لم يكن يراها من قبل:
ضحكات العابرين، حديث العجائز أمام المخبز، رائحة الخبز الساخن، نغمة العصافير على الأسلاك.
تساءل في نفسه: كيف لم أكن أرى كل هذا الجمال من قبل؟
كان يعيش سابقًا وكأن الحياة سباق، لا متعة فيه إلا بالوصول. واليوم أدرك أن المتعة كانت دائمًا في الطريق نفسه.
جلس ذلك المساء يكتب في دفترٍ صغير:
“السعادة ليست محطة نصل إليها، بل طريقة نسير بها.
ما دمت أتنفس وأرى، فأنا أملك ما يكفيني لأبتسم.”
ماضٍ لا يُنسى
لكن سامي لم يكن يخلو من جراح.
قبل خمس سنوات، حين تطلّق من زوجته «مريم»، ظن أن حياته انتهت.
كانت مريم تحلم بالثراء، بالسفر، بالمنزل الفخم، بينما كان هو يرى السعادة في القناعة والسكينة.
كثرت الخلافات حتى انهارت العلاقة.
ومنذ ذلك الحين، علق في داخله شعور دائم بالنقص، وكأنه خسر شيئًا لا يُعوّض.
ذات مساءٍ جلس في غرفته يتصفح صورًا قديمة.
رأى نفسه يبتسم بجانب مريم في إحدى الرحلات.
لكنه لاحظ شيئًا لم يكن ينتبه إليه سابقًا: كانت ابتسامته حقيقية، أما وجهها فكان مشدودًا، قلقًا، وكأنها تفكر في شيءٍ آخر دائمًا.
حينها فقط، أدرك أن تلك العلاقة لم تكن خسارة، بل كانت درسًا.
درسًا في أن السعادة لا تُمنح لك من الآخرين، بل تولد من داخلك.
لقاء غير متوقع
في الأسبوع التالي، وأثناء جلوسه في المقهى المعتاد، جلس بجانبه رجلٌ مسنّ يحمل آلة تصوير قديمة.
قال العجوز وهو يبتسم:
– هل تسمح لي أن ألتقط لك صورة؟ وجهك يبدو وكأنه يحمل قصة طويلة.
ضحك سامي وقال:
– قصة ربما لا تهم أحدًا.
– بل تهمك أنت، وتلك أهم القصص على الإطلاق.
وافق سامي، فالتقط الرجل الصورة، ثم جلسا يتحدثان.
كان العجوز مصورًا متقاعدًا يدعى «نادر»، يعيش وحيدًا بعد وفاة زوجته.
بدأ يحدثه عن رحلاته، عن المدن التي زارها، وعن الأشخاص الذين التقط لهم صورًا فغَيّرت حياته.
قال نادر بنبرةٍ هادئة:
– يا بني، قضيت أربعين سنة أبحث عن الصورة المثالية، إلى أن أدركت أن الكمال في العيوب، والجمال في البساطة. لا تنتظر أن تصبح حياتك مثالية لتسعد، لأنها لن تكون كذلك أبدًا.
تأثر سامي بكلامه بشدة، وكأنه وجد صدىً لصوته الداخلي.
منذ ذلك اليوم، أصبح نادر صديقه الأقرب، يلتقيان كل صباح يتحدثان عن الحياة، عن الذكريات، عن الحنين.
كان وجوده بمثابة النور الذي كشف لسامي الطريق نحو التصالح مع الذات.
رحلة إلى الريف
في أحد الأيام، دعاه نادر لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في قريةٍ صغيرةٍ يملك فيها منزلاً قديماً.
تردد سامي في البداية، لكنه وافق في النهاية.
حين وصل إلى القرية، شعر كأنه دخل عالمًا آخر.
الهواء نقي، والسماء صافية، والناس يعيشون ببساطةٍ نادرة.
جلس أمام بيت الطين الصغير المطل على النهر، وشاهد الأطفال يلهون بالحجارة والضحك يملأ المكان.
قال نادر وهو يسكب الشاي:
– هنا لا يملك الناس شيئًا، لكنهم يملكون كل شيء.
– كيف ذلك؟
– لأنهم يعيشون بلا مقارنات. لا ينظر أحد لما يملك الآخر، يعيشون يومهم بسلام، وهذا سر السعادة.
في تلك الليلة، جلس سامي يتأمل ضوء القمر على سطح الماء.
أغمض عينيه وشعر بسلامٍ داخلي لم يعرفه من قبل.
همس لنفسه:
“ربما السعادة لم تكن غائبة، أنا فقط كنت أنظر في الاتجاه الخاطئ.”
العودة الجديدة
عاد سامي إلى المدينة بروحٍ مختلفة.
بدأ يغيّر أشياء صغيرة في حياته:
استيقظ مبكرًا ليمشي في الصباح، صار يطبخ لنفسه أحيانًا، يرسم خطوطًا بسيطة على الورق رغم أنه لم يتعلم الرسم من قبل، يزور والدته بانتظام، ويتحدث مع الناس بابتسامة صادقة.
لم يصبح غنيًا، ولم يحصل على ترقية، ولم يعد زواجه المفقود،
لكن شيئًا داخله تبدّل.
صار يشعر بالامتنان لكل ما يملك: سريره، نافذته، كوب القهوة، الورد الذي يشتريه من الطفل كل صباح.
كتب في دفتره ذات مساء:
“كل ما كنت أظنه ناقصًا، لم يكن سوى مساحة ينتظر أن تملؤها الرضا.”
اختبار جديد
لكن الحياة لا تخلو من الامتحان.
في أحد الأيام، علم سامي أن نادر مريض بمرضٍ خطير، وأن أيامه معدودة.
ذهب لزيارته في المستشفى، فوجده يبتسم رغم الألم.
قال له نادر بصوتٍ ضعيف:
– لا تحزن، يا بني، أنا عشت عمري بسلام. لا تخف من النهاية، خف فقط من أن تعيش دون أن تحب نفسك.
ثم أمسك بيده وقال:
– وعدني أن تواصل السير بابتسامة، لأن السعادة تحتاج شجاعة أكثر مما تحتاج ظروفًا.
رحل نادر بعد أيام قليلة، وترك لسامي الكاميرا القديمة.
حملها بين يديه، وشعر أن جزءًا من الحكمة انتقل إليه.
منذ ذلك الحين، بدأ يلتقط صورًا للناس البسطاء في شوارع المدينة، يكتب تحت كل صورة عبارة قصيرة عن السعادة.
صوره بدأت تنتشر عبر الإنترنت، وبدأ الناس يتحدثون عنها.
لكن سامي لم يهتم بالشهرة، كان كل ما يريده أن يخلّد الدرس الذي تعلمه:
أن السعادة تُصنع، لا تُمنح.
لحظة الإدراك
في يومٍ ماطر، وقف سامي أمام النافذة ينظر إلى الشارع المبتل، والطفل بائع الزهور ما زال هناك، لكنه أصبح شابًا هذه المرة.
تذكر أول وردة اشتراها منه، وتذكر نفسه قبل سنواتٍ طويلة، ذلك الرجل المليء بالخوف والانتظار.
ابتسم وقال في نفسه:
“كم تغيرت… كنت أعيش أبحث عن الضوء، ولم أدرِ أنه في قلبي منذ البداية.”
أخرج الكاميرا، التقط صورةً للمشهد، ثم جلس يكتب آخر سطرٍ في دفتره:
“عش حياتك متصالحًا مع نفسك، لا تربط سعادتك بأشياء قد تأتي أو لا تأتي،
لأنك ما دمت تبحث خارجك، ستفقد ما بداخلك.”
ثم أغلق الدفتر، وشعر كأنه أتمّ رحلة عمره.
لم يعد ينتظر شيئًا، لأن السلام الذي كان يبحث عنه أصبح يسكنه هو.

أرائكم تسعدنا:لمتابعة التعليق حتى نرد عليك فقط ضع إشارة على إعلامى