أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 شريط العناوين

قصة عشق تبدأ من لحظة لقاء وتكبر حتى تصبح عمرًا كاملًا لا يُنسى

لحظة واحدة كانت كافية لتفتح باب حياة جديدة، ولتمنح قلبين فرصة لا تتكرر. قصة حب تُولد من نظرة، وتنمو بين المطر والانتظار والعودة. قصة لن تُنسى.

م يكن “سليم” ممّن يؤمنون بوجود مصادفات تُغيّر مصير المرء، كان يرى الحياة سلسلة حسابات دقيقة، لا مجال فيها لخطوات غامضة أو نبضات متسارعة تُربك الطريق. عاش حياته مرتّبة مثل رفوف مكتبته، كل شيء في مكانه، بلا فوضى، بلا ضجيج، بلا دهشة… إلى اليوم الذي رأى فيه “ليان”.

كانت المدينة في مساء ربيعي دافئ، والناس يتنقّلون بين ضوء المصابيح ووهج المتاجر. توقّف سليم أمام مقهى هادئ أعتاد الجلوس فيه بعد ساعات عمله الطويلة، يبحث عن لحظة سكينة تنسحب من صخب العالم. لم يكن يعرف أن العالم كله سيُعاد ترتيبه حين رفعت هي رأسها نحوه.

كانت تقلب صفحات كتاب، وإضاءة المقهى تُلقي على وجهها هالةً ناعمة، كأن المكان خُلق لأجلها. وقف لحظة مشدوهًا، شعر أن الزمن انكمش حولهما، وكأن اللحظة أصبحت أوسع من كل شيء. حين نظرت إليه لتردّ ابتسامة مضيافة، أحسّ أن قلبه يتحرّك للمرة الأولى منذ سنوات.

اقترب وسألها إن كان المقعد المقابل شاغرًا. ابتسمت، وأومأت بلطف.

جلس، لكنه لم يدرِ كيف يستعيد أنفاسه. حاول فتح حديث بسيط، قال شيئًا عن ازدحام المدينة، وعن حاجة الروح إلى مقهى هادئ... لكن الحقيقة أنه لم يكن يرى إلا عينيها، وهما تبتسمان قبل أن يبتسم فمها.

كانت البداية مجرد جملة عفوية، لكنها كانت الجملة التي حرّكت فصول حياته كلّها.

ومع الأيام صار لقاؤهما عادة جميلة، يجلسان في ذات المقهى، يتحدّثان عن الكتب، عن الأحلام، عن الأشياء الصغيرة التي لم يكن يظن أنها قادرة على أن تحمل معنى. لم تكن ليان كغيرها، كانت تمتلك قدرة عجيبة على إدخال الطمأنينة في قلبه؛ كأن صوتها باب مفتوح على جهة لا يعرفها أحد غيرها.

وفي أحد اللقاءات، حين كانت الريح تداعب ستائر المقهى، قالت له بلطف:

ـ “يبدو أنك تُخفي الكثير يا سليم… لماذا لا تتحدّث عن حياتك قبل أن نلتقي؟”

ابتسم، لكنه لم يردّ فورًا. نظر إليها نظرة هادئة، وأجاب بصوت يشبه اعترافًا خرج من أعماقه:

“لا تسأليني عن حياتي قبل أن ألقاكِ… إني بدأتُ العمر منذ لقاكِ.”

توقّفت ليان عن تقليب صفحات كتابها، ورفعت رأسها إليه كمن يتلقّى وعدًا قدريًا لا يشبه أي وعد. وللحظة، خشي أن تراه مبالغًا، لكنه فوجئ بها تبتسم تلك الابتسامة التي كانت تكفي لتهزّ جميع الحسابات الدقيقة التي عاش يطمئن إليها.

سألته:

ـ “وكيف كان عمرك قبل ذلك؟”

تنفّس بعمق وقال:

“قد كان عمري في الحياة ضلالة… ورأيتُ كلّ النور بعض ضياكِ.”

مدّت يدها بتردد خفيف حتى لامست أطراف أصابعه، كأنها تعترف له أنها فهمت كل كلمة دون حاجة لشرح. ومنذ تلك اللحظة، صار بينهما شيء أكبر من لقاءات مسائية أو أحاديث عابرة؛ صار بينهما معنى لا يكتمل إلا بوجودهما معًا.

مرت الشهور، وتغيّر كل شيء في حياة سليم. صار يستيقظ وهو يشعر أن يومه يبدأ بابتسامة ليان، لا بقراءة رسائل العمل. صار يكتب لها رسائل قصيرة، يتركها في المقهى قبل وصولها، مكتوبًا عليها “هذا اليوم أجمل لأنك ستكونين جزءًا منه”.

وفي يوم خريفي ممطر، حين كانت المدينة تغتسل بالمطر، طلب منها أن يلتقيها في حديقة قريبة من النهر. كانت الأشجار تتمايل ببطء، والسماء تُرسل قطرات هادئة، كأنها موسيقى خفيفة تُهيّئ اللحظة لشيء مهم.

وصلت ليان وهي تحمل مظلّة صغيرة، ووقفت أمامه تسأله عمّا كان يريد قوله. نظر إليها، وشعر أن قلبه يركض من صدره كحصان جامح.

أمسك يديها وقال بصوت يضطرب بالعاطفة:

“لو كان عمري في الحياة خميلة… ما كنتُ أمنح ظلّها لسواكِ.”

شهقت بدهشة، لكنها لم ترفع يدها من يده. كانت تنظر إليه كأنها تسمع اعترافًا يشبه الشعر الذي كُتب ليمنح الحياة معنى.

اقترب منها أكثر، وقال:

“لو ظل شعري في الوجود بعطره… فالشعر يا دنياي بعض شذاكِ.”

كانت تتنفّس بصعوبة، ليس خوفًا، بل لأن الكلمات مسّت مكانًا عميقًا في قلبها. وفجأة، ضمّته بقوة خفيفة، ضمّة صافية تشبه المطر الذي كان يتساقط حولهما.

لكن الحكايات الجميلة لا تخلو من امتحاناتها.

قبل أن تغادر تلك الليلة، أخبرته ليان بأنها ستسافر لأسبوعين لزيارة والدتها المريضة في مدينة بعيدة. كان الأمر مفاجئًا، لكنه حاول أن يبدو متماسكًا. لم يرغب في أن يُثقل قلبها بالقلق وهي تعتني بوالدتها.

ودّعته بابتسامة متعبة، وقالت:

“سأعود سريعًا… فقط ادعُ لها.”

قال لها وهو يحاول أن يخفي توتره:

“عودي بالسلامة… المكان يفقد الكثير حين تغيبين.”

وسافرت.

ومع سفرها بدأت الأيام تتثاقل على قلبه. المقهى لم يعد كما كان. الشوارع فقدت شيئًا من ضجيجها. حتى الكتب التي كان يقرأها بدا أنها بلا معنى. حاول أن يشغل نفسه بالعمل، لكنه كان يشعر أن روحه معلّقة هناك… في مدينة أخرى تُقيم فيها ليان.

كان يكتب لها كل ليلة، يرسل لها رسائل طويلة يخبرها فيها بما يشعر، لكنها في بعض الليالي لم تكن تردّ، لأن حال والدتها يزداد سوءًا. ومع كل صمت كانت المسافة تتسع بين خوفه وقلبه.

وفي اليوم العاشر، جاءه اتصال منها، صوتها كان متعبًا، مكسورًا.

قالت له: “سليم… أنا خائفة.”

سألها بسرعة: “ماذا حدث؟”

أجابت: “حالها يزداد سوءًا… وأنا وحيدة…”

لم يتمالك نفسه، قال لها فورًا:

“سآتي إليكِ… اليوم قبل الغد.”

حاولت أن تمنعه، قالت إن الطريق طويل، وإن الطقس في تلك المدينة سيئ… لكنه لم يسمع حرفًا مما قالته. أغلق الهاتف، حزم حقيبته، وانطلق.

كانت الرحلة طويلة وشاقة، المطر يهطل بلا توقف، والطرق زلقة وخطيرة. لكنه لم يشعر بالخوف، كان قلبه يدفعه بقوة نحوها، كأن المسافة بينهما ليست سوى جدار واحد يجب أن يُهدم.

وصل عند المساء، وجدها واقفة أمام المستشفى تحت المطر. حين اقترب منها، لم تتحدّث، فقط ارتمت في حضنه كمن وجد أخيرًا كل ما فقده.

قال لها وهو يمسح المطر عن شعرها:

“إني تعبتُ من المسير… ولا أرى في القلب شيئًا… غير أن يهواكِ.”

وبكت. لم تكن دموع انهيار، بل دموع شخص كان يخشى السقوط لكنه وجد يدًا تنتظره.

ظلّ معها طوال الأسبوع التالي، يرعاها، يساندها، يحاول أن يخفف عنها قسوة الأيام. ومع الوقت بدأت والدتها تتحسن، شيئًا فشيئًا، حتى خرجت من المستشفى أخيرًا.

حين عادت ليان إلى المدينة مع سليم، كانت يدها في يده كأنها جزء من روحه.

مرت سنة كاملة على لقائهما الأول. سنة تغيّر فيها كل شيء. صار سليم أكثر دفئًا وأقل صمتًا. صارت ليان أكثر سعادة وأقل خوفًا. كل منهما وجد في الآخر مرآة تُظهر أجمل ما فيه.

وفي ذكرى لقائهما، عاد سليم بها إلى المقهى الذي بدأ منه كل شيء. جلسا في ذات المقعدين، وتبادلا نظرات طويلة مليئة بذكريات لم تُنسَ.

أخرج سليم من جيبه صندوقًا صغيرًا، فتحه على مهل. فيه خاتم بسيط، لكنه يحمل كل ما لم تستطع الكلمات أن تقوله.

قال لها:

“ليان… هل تقبلين أن تبقي معي… لا كفصلٍ عابر… بل كقصة تمتدّ لعمر كامل؟”

انهمرت الدموع من عينيها، دموع ممتلئة يومًا بيوم، لحظة بلحظة. لم تُجب بالكلام، بل وضعت الخاتم في إصبعها بيد ترتجف من الفرح.

في تلك اللحظة… شعر سليم أن الكون كله يُعاد ترتيبُه من جديد، كما أُعيد يوم رآها أول مرة.

ولأول مرة… شعر أنه لم يكن يبالغ حين قال لها:

“إني بدأتُ العمر منذ لقاكِ…”

سحر العيون
سحر العيون
أكتب وأعبّر عن أفكاري ومشاعري من خلال القصص والقصائد، أستوحي إلهامي من تفاصيل الحياة والخيال. أكتب لألامس القلوب وأثير التأمل في المعاني الإنسانية. أؤمن بأن الكلمة قوة قادرة على التغيير والإلهام، وأجد في الكتابة عالمي الذي أتنفس فيه الإبداع.
تعليقات



    🅰