أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 شريط العناوين

قصة الصبر والأقدار وكيف تفتح الحياة أبوابها في الوقت الذي لا نتوقعه

في هذه القصة سنسافر عبر دروب الأقدار، حيث الأبواب المغلقة ليست نهاية، والوجع يصبح طريقًا للخير. رحلة قلبٍ تعلّم أن ما كتب له سيأتي، مهما طال الانتظار.

في مدينة هادئة، تقع على ضفاف نهرٍ يشقّ الأزقة القديمة مثل خيطٍ من فضّة، كانت "سهاد" تمشي كل صباح نحو المدرسة العتيقة التي تعمل فيها. كانت تحمل حقيبتها الجلدية البنية، تلك التي ورثتها من أبيها، وتضع فيها دفاتر الطلاب ورسوماتهم الصغيرة. لم تكن الطريق طويلة، لكنها كانت ممتلئة بالذكريات، بكل ما مرّ عليها من خسارات وانتصارات وابتسامات مختبئة خلف شقوق الأيام.

كانت سهاد تؤمن دائمًا أن الحياة مهما اشتدت وضاقت، فلا بد أن تترك نافذة صغيرة للضوء. كانت تقولها لطالباتها عندما تبصر الحزن في عيونهن، وتقولها لنفسها عندما يخفت الضوء داخلها. ورغم هذا، كانت تعرف جيدًا أن الأشياء لا تأتي دائمًا كما نشتهي، فـ بعض الأبواب لم تُفتح، لأنها ليست لك… لكنها لم تتوقف يومًا عن الطرق، ظنًا منها أن الأقدار أرحم من اليأس.

مرت سنوات عديدة على رحيل "مروان"، ذلك الشاب الذي أحبّته بقلبٍ خائف، كمن يمسك بزهرة يخشى أن تتفتت بين أصابعه. أحبته بعمقٍ يليق بالكتب العتيقة، لكنه رحل فجأة، لا كلمة، لا وداع، فقط اختفى كما يختفي الضوء مع أوّل غيمة ثقيلة. حاولت أن تبحث عنه في كل مكان، في الأماكن التي جمعتهما، في الطرق التي مشياها، في المقاهي التي اعتادا الجلوس فيها، لكن لا أثر. وبعد زمن، أدركت أن بعض الأشخاص اختفوا من حياتك، لأنهم صفحة وليسوا كتابًا… صفحة جميلة، لكنها لا تستحق أن يُبنى عليها فصل كامل.

كانت تلك التجربة درسًا لم تنسه، لكنها لم تنزع من قلبها القدرة على الإيمان. بقيت تحتفظ بابتسامة صغيرة لا تخبو، رغم ما كسرها. وربما كان السبب في ذلك، أنّ والدتها كانت دائمًا تردد عليها:
"القلب يا سهاد، إذا مات الأمل فيه، مات كل شيء… فلا تتركيه يشيخ."

ومع مرور الوقت، بدأت تشعر أن الحياة تعيد تشكيلها من جديد، ببطء، مثل نهر يعيد رسم مجراه. كانت الفرص تأتي أحيانًا في توقيت غريب، تطرق بابًا بينما هي مشغولة بإصلاح باب آخر. وفي كل مرة تضيع فيها فرصة، يتسلل إليها الألم، لكنها تعود وتهمس لنفسها:
"ربما ضاعت لأنني كنت بحاجة للخبرة أكثر من الحظ."

وهكذا تتعلم، تكبر، تتشكل من جديد.


ذات صباح، وبينما كانت تُرتب دفاتر الطالبات، دخل مدير المدرسة يحمل ملفات جديدة وقال لها:

"سهاد، عندنا معلمة جديدة جاءت اليوم… أتمنى أن تساعديها في التأقلم، فأنتِ الأقرب دائمًا للجميع."

ابتسمت: "أكيد يا أستاذ… يسعدني."

بعد دقائق، ظهرت شابة ترتدي حجابًا خفيفًا بلون السماء، اسمها "آية". كانت مبتسمة، مترددة بعض الشيء، لكنها تحمل في عينيها طيبة لا تخطئها العين. اقتربت منها سهاد ومدّت يدها إليها:

"أهلاً بكِ بيننا."

منذ تلك اللحظة، بدأت بينهما صداقة هادئة، كأنّ القدر أراد أن يمنح سهاد صفحة جديدة غير تلك التي مزّقتها الأيام. كانت آية مختلفة؛ لا تبحث عن الماضي، ولا تهتم بما خسره الناس، بل كانت تعيش للحظة، وتنظر للحياة ببساطة عجيبة.

وذات مساء، وأثناء جلوسهما على ضفاف النهر، قالت آية وهي تحدّق في الماء:

"هل تعلمين يا سهاد؟ أحيانًا أشعر أننا لم نخلق لنفهم كل شيء… بل لنؤمن فقط أن كل ما يحدث فيه حكمة."

أطرقت سهاد برأسها وقالت:
"جميل هو القلب الذي يعيش على أمل أن كل شيء سيكون بخير."

ابتسمت آية:
"بالضبط… وربما هذا ما ينقذنا كل مرة."


تمر الأيام، وصوت النهر لا يتوقف عن الغناء. وفي المدرسة، تتعلق الطالبات بسهاد أكثر من السابق، وبدأت آية تجلب للمدرسة نوعًا من الحيوية التي افتقدتها منذ زمنٍ بعيد. أحبتها سهاد حقًا، ليس فقط كصديقة، بل كأخت جاءت بعد غياب طويل.

لكن الحياة، كما هي عادتها، لا تمنح السكينة كاملة دون اختبار.

في يومٍ ماطر، وصلت سهاد إلى المدرسة متأخرة قليلًا. دخلت غرفة المعلمات لتجد آية تبكي، تحاول أن تخفي دموعها بلا جدوى. اقتربت منها بسرعة:

"آية! ما بكِ؟"

لم تجب، واكتفت بإخراج ورقة من حقيبتها. كانت ورقة رفض من الجامعة التي كانت تنتظر قبولها فيها منذ أشهر، جامعة حلمت بالدراسة فيها لتكمل ما بدأته قبل سنوات.

"هذه كانت فرصتي… حلمي يا سهاد… ضاع."
قالتها بصوت مكسور.

وضعت سهاد يدها على كتفها وقالت لها بهدوء يشبه ضوء الصباح:

"ربما ضاعت الفرصة… لأن الله يريد أن يعطيكِ أفضل منها. وكل الأمور المقسومة لنا خير… حتى وإن كانت وجعًا."

نظرت إليها آية وبكت بشدة، ثم وضعت رأسها على كتفها وكأنها تريد أن تستند إلى شيء لا ينكسر. كانت تلك اللحظة بداية تحوّل جديد في حياتهما كلتيهما.


وبينما كانت الأشياء تتغير في المدرسة، كان قلب سهاد أيضًا يتهيأ لشيء لم تكن تعرفه. في كل مرة كانت تساعد فيها آية، كانت تشعر بأنها تساعد نفسها. وفي كل درس كانت تلقيه على الطالبات، كانت تتعلم هي أيضًا. لم تكن تدرك حتى تلك اللحظة أن الشفاء لا يأتي من شخص واحد، بل من مجموعة لحظات صغيرة متتابعة.

وفي ليلة هادئة، كانت سهاد ترتب أوراقها حين طرق الباب أحدهم. فتحت لتجد شابًا في الثلاثينيات، أنيقًا، يحمل دفترًا خاصًا.

"مساء الخير… هل حضرتك الأستاذة سهاد؟"

"نعم… تفضل."

"أنا 'ياسين'… والد الطالبة سلمى. أردت فقط أن أشكرك على دعمك لها، لقد تغيّرت كثيرًا منذ أصبحتِ معلمتها."

ابتسمت بجفاء لطيف:
"هذا واجبي."

كان ياسين مختلفًا عن كل الرجال الذين مرّوا في حياتها. لم يكن متعجرفًا، ولا متسرعًا، بل بدا هادئًا، يزن كلماته قبل أن يقولها. كان هناك شيء صادق في عينيه يشبه الطمأنينة التي لم تعرفها منذ سنوات. تكرر حضوره للمدرسة بين الحين والآخر، ليس بغرض المجاملة، بل لأنه كان يريد حقًا الحديث مع سهاد.

وبدأت الأحاديث القصيرة تتحول إلى أطول، وأطول…

كان يحدثها عن ابنته، عن عمله في الصحافة، عن الأحلام التي لم يحققها بعد. تأمله سهاد في صمت، وتقول لنفسها:
"هل يمكن أن تمنحني الحياة صفحة جديدة حقيقية هذه المرة؟"

لكن الخوف كان يقف دائمًا خلف كتفها، يذكّرها بما حدث مع مروان. كانت تتردد، تقف على عتبة المشاعر دون أن تدخل. فقد تعلمت أن بعض الأبواب قد تبدو مفتوحة، لكنها لا تؤدي إلى أي مكان.

وفي يوم، فاجأها ياسين بقوله:

"هل تخافين من البدء من جديد؟"

أجابت بصراحة نادرة:
"أخاف من أن يكون الباب ليس لي… وأنا أطرقه."

ابتسم، واقترب منها خطوة وقال بصوت خفيض:

"هذا الباب… أنا فتحته لكِ."

ارتبكت… لكنها شعرت بشيء يتحرك داخل قلبها، شيء يشبه طفلًا يستيقظ بعد نوم طويل.


مرت الشهور، وتغير كل شيء. آية حصلت على قبول في جامعة أخرى أفضل مما كانت تتمنى، وسهاد بدأت تشعر أن قلبها يعود ليزهر. وياسين أصبح جزءًا من يومها، من قصتها، من دفء لم تعرفه من قبل.

أما الماضي، فقد تحول إلى غبار خفيف في الذاكرة.

وأصبحت تردد في كل يوم:

"كل الأمور المقسومة لنا خير… حتى وإن كانت وجعًا."


وفي مساء شتوي، وقف ياسين وسهاد على ضفة النهر الذي شهد بداية صداقاتها وبداية قصّتها معه. كانت السماء تتزين بنجوم قليلة لكنها لامعة، وصوت الماء يجري ببطء.

قال ياسين وهو ينظر إليها بنعومة:

"هل تأذنين لي أن أكتب معكِ كتابًا يبدأ اليوم… ولا ينتهي؟"

لم ترد بكلمات، فقط ابتسمت—ابتسامة تشبه بابًا فُتح أخيرًا بعد سنوات طويلة.

وهكذا، بدأت قصة جديدة… قصة لم تكن صفحة، ولا بابًا موصدًا، بل كتابًا كاملًا، يُكتب بالطمأنينة، بالحياة، وبالقلب الذي لم يفقد أمله يومًا.

سحر العيون
سحر العيون
أكتب وأعبّر عن أفكاري ومشاعري من خلال القصص والقصائد، أستوحي إلهامي من تفاصيل الحياة والخيال. أكتب لألامس القلوب وأثير التأمل في المعاني الإنسانية. أؤمن بأن الكلمة قوة قادرة على التغيير والإلهام، وأجد في الكتابة عالمي الذي أتنفس فيه الإبداع.
تعليقات



    🅰