أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 شريط العناوين

قصة صامتة عن الحنين والكبرياء وصراع القلوب التي لا تنطق بالحروف

تدور هذه القصة حول قلب اختار الصمت طريقًا للتعبير، حتى صار الحنين يكتب رسائل لا تُرسل والكبرياء يمحوها. حكاية مؤلمة لكنها شامخة، عن حب لم يُقل يومًا… لكنه عاش.

قصة صامتة عن الحنين والكبرياء وصراع القلوب التي لا تنطق بالحروف

كانت ليلى تجلس على شرفة غرفتها كل مساء، تحدّق في المدى البعيد كأنها تنتظر شيئًا تعرف أنه لن يأتي. كانت السماء مضاءة بنجوم متناثرة، تشبه تلك الأمنيات الصغيرة التي تراكمت في قلبها ولم تجد طريقًا نحو الواقع.
كانت تفعل ذلك كل ليلة، لكن هذه الليلة كانت مختلفة؛ فمنذ الصباح كانت تقاوم رغبة هائلة في كتابة رسالة طويلة، رسالة تحمل كل ما لم تعد قادرة على قوله. لقد كتب الحنين رسائل كثيرة داخله، لكن كبرياءها كان يمحوها قبل أن تكتمل.

كانت تقول لنفسها:
“وكم من رسائل يكتبها الحنين ويحذفها الكبرياء…”
كأنها تعزّي قلبها الذي يتألم بصمت.

لم تكن ليلى من النوع الذي يبوح. كانت فتاة تتقن الصمت كما يتقن الموسيقيّ عزف أعقد الألحان. كانت تحب في صمت، وتحزن في صمت، وحتى عندما تبكي كان صوتها يخون الدموع فلا يسمعه أحد.
لم تكن ضعيفة كما ظنّ البعض؛ بل كان بداخلها جبلاً من الكبرياء يمنعها من الانهيار أمام أي أحد، ولو كان أقرب الناس إليها.

بداية الحكاية

قبل ثلاث سنوات، دخل إلى حياتها رجل أربك كل هدوئها. لم يظهر فجأة، ولم يكن صاعقة تهبط من السماء، بل جاء كما يأتي الندى إلى أوراق الأشجار، ببطء ونعومة ودهشة.
كان اسمه “أدهم”.

شاب يحمل في صوته دفئًا يجعل الكلمات تبدو وكأنها تقال لأول مرة. كان بسيطًا، غير متكلّف، لكنه كان يعرف كيف يلمس أعمق نقطة في الإنسان دون أن يقترب كثيرًا.
تحدثا لأول مرة مصادفة عند مكتبة في وسط المدينة، يوم كانت تبحث عن كتاب نادر. وجدته هو الآخر يبحث عن الكتاب ذاته، ومن هنا بدأت حكاية صغيرة بين قلبين يجهلان ما ينتظرهما.

لم يكن التعارف سريعًا، بل كان شديد البطء، كأن الحياة أرادت أن تبني بينهما جسرًا غير مرئي، لكنه ثابت. تبادلا الاهتمامات، والأفكار، والقراءات، ثم بدأا يتبادلان شيئًا أصعب: الاعترافات الصغيرة التي لا تُقال عادة إلا للأشخاص الذين يستحقّون الثقة.

قلبٌ يتكلم وقلبٌ يصمت

كانت ليلى تشعر بأنها وصلت أخيرًا إلى شخص يفهم صمتها. لكنه كان مختلفًا عنها؛ كان يواجه الأشياء بالكلمات، بينما كانت تواجه الكلمات بالصمت.

قال لها ذات مرة:
—"أحيانًا أرى في عينيك كلامًا كثيرًا… لماذا تخفينه؟"
ابتسمت دون أن تجيب.
لم يفهم حينها أن جوابها كان صمتها نفسه.

كانت تحمل داخليها كلامًا لا تنطقه الحروف؛ كلامًا مليئًا بالخوف… خوف من الخسارة، خوف من التعلق، خوف من أن تمنح قلبها لمن قد يرحل.
فهي تعرف جيدًا أن بعض الرحيل لا يجبره الزمن، وأن بعض الوجوه إذا غابت تنطفئ أجزاء من الروح لا تعود.

لحظات كانت تمزّقها

مرّت الأيام، وازداد قربه منها. وكلما اقترب، خافت أكثر.
كانت تشعر بأنها تحتاج إليه، وهذا ما لم تستطع احتماله.

كانت تكتب له كثيرًا، لكنها لا ترسل شيئًا.
كانت تقف أمام هاتفها أحيانًا دقائق طويلة، تقرأ الرسالة التي كتبتها، ثم تضغط “حذف” وهي تتمزق.
كانت تبرّر لنفسها:
“لا، لا يجب أن أبدو ضعيفة. لا يجب أن أبدو متعلقة.”
لكن الحقيقة أنها لم تكن تخشى الظهور ضعيفة، بل كانت تخشى أن يتجاهل رسالتها، أن يرد بجفاء، أن يبتعد بعد أن يكتشف عمق مشاعرها… فبعض الرجال يهربون إذا شعروا بقوة الحب.

وهي كانت امرأة إذا أحبّت… أحبّت بصدقٍ يربك، ودفءٍ يخيف.

الشرخ الأول

وفي مساء هادئ، جاء ما لم تكن تتوقعه.
تلقى رسالة منه بدت كأنها مجرّد كلمات عادية، لكنها بالنسبة لها كانت كالسهم.

كتب لها:
—"ليلى… أشعر أنك بعيدة. هل هناك شخص آخر في حياتك؟"

ارتجفت أصابعها، لكنها تمالكت نفسها.
كيف يشك بها؟ كيف يمكنه أن يظن أنها قد تُدخل شخصًا آخر إلى عالم لم تفتح أبوابه لغيره يومًا؟

أرادت أن تقول له:
“لا أحد غيرك… أنت وحدك.”
لكن لسانها كان أثقل من أن يبوح، وكبرياؤها كان أقوى من أن يسمح.

فكتبت له ردًا باردًا:
—"لا يوجد شيء. كل شيء بخير."

لكن الحقيقة أن شيئًا لم يكن بخير.
وظلت تتجنب الحديث معه لأيام، بينما في داخلها كانت تصرخ.

الفجوة تكبر

أدهم شعر أنها تهرب منه، لكنها لم تفهم أن هروبها لم يكن منه… بل منه هو نفسه.
كانت تخاف أن تصارحه بما بداخلها، فتخسره.
وكان يخاف صمتها، فيظن أنها فقدت اهتمامها.

تلك الفجوة التي لا يراها أحد، بدأت تكبر بينهما كل يوم، حتى صارت كالسد.

كانت تحبه، لكنه لا يعرف.
وكان يريد الاقتراب منها، لكنها لا تسمح.

كل واحد كان ينتظر الآخر أن يخطو خطوة، وفي النهاية لم يتحرك أحد.

ليلة الانهيار الصامت

في ليلة ماطرة، بينما كانت تقلب هاتفها، وجدت رسالة منه لم تقرأها بعد.
فتحتها، ووجدته يكتب:

—"ليلى، يبدو أننا لا نفهم بعضنا… ربما الأفضل أن نتوقف قبل أن نتأذى أكثر."

توقفت أنفاسها، وشعرت بأن شيئًا في صدرها انكسر بصوت لم يسمعه أحد سواها.
أعادت قراءة الرسالة عشرات المرات، وكل مرة كانت تؤلمها أكثر.

أرادت أن تكتب له:
“لا تتركني. أنا فقط خائفة… لا أكثر.”
لكن أصابعها لم تتحرك.
وزاد صمتها إحساسه بأنه لم يعد يعني لها شيئًا.

كان يمكن لرسالة واحدة أن تغيّر كل شيء…
لكن الرسالة لم تُكتب.

انسحاب بلا صوت

مرت أيام طويلة دون أن يتحدثا.
كان هو ينتظر أن تخطو خطوة، لكنها لم تفعل.
وكانت تنتظر أن يعود هو، لكنه لم يعد.

شيئًا فشيئًا تباعدت الطرق، وبدأت حياتهما تنفصل دون كلمة، دون صراخ، دون وداع.

رحل أدهم…
وهي بقيت.

بقيت ممسكة بصمتها، بكبريائها، بألمها الذي لم يعرف أحد عنه شيئًا.

ثلاثة أعوام بعد الرحيل

لم تتجاوز ليلى دقته الأولى في قلبها، ولم تنسَ صوته، ولا تلك اللحظات الصغيرة التي جمعت بينهما.
لكنها تعلمت أن تعيش، تعلمت أن تخفي جرحها، وأن تبدو قوية أمام الجميع.

كانت تعمل، وتضحك، وتشارك في المناسبات، لكنها كانت تعود كل ليلة إلى ذات الشرفة…
إلى ذات الفراغ…
إلى ذات الصمت.

كانت كل ليلة تقول لنفسها:
“هناك قلوب صامتة … تحب وتفرح وتحزن في صمت، وتمارس البكاء في صمت، وتتخذ من الصمت طريقة أخرى للتعبير.”

هي واحدة من هذه القلوب.
قلوب متألمة لكنها شامخة، عالية بعزة النفس.
قلوب ربما لا يكتب لها أن تُفهم، لكنها مع ذلك تبقى صادقة، نبيلة، نقية.

المفاجأة

بعد ثلاث سنوات كاملة، وبينما كانت ترتّب كتبها، سقط من أحد الكتب ظرف صغير.
فتحته، فوجدت قصاصة ورق كان قد أعطاها إياها يومًا ونسيتها.
كان مكتوبًا فيه بخطه:

"إن أحببتِ يومًا، فلا تخافي. فالحب لا يكسر إلا من يخشاه."

جلست على الأرض، وأمسكت بالقصاصة ترتجف.
للمرة الأولى أجهشت بالبكاء… بصوت.
بكاء لا يشبه بكاءها الصامت الذي اعتادت عليه؛ كان بكاءً يشبه الاعتراف، يشبه الحقيقة التي تهرب منها منذ سنوات.

القرار

في تلك الليلة… كتبت رسالة.
لم تكن رسالة اعتذار، ولا شوق، ولا رجاء.
كانت رسالة تصالح مع نفسها.

كتبت:
“إلى قلبي…
لم أعد أريدك صامتًا.
إن أحببت… فقل.
إن اشتقت… فاخبر.
إن تألمت… فابك.
لا تجعل الصمت جدارًا بينك وبين من يستحقك.”

ثم أغلقت الدفتر، ومسحت دموعها، وذهبت للنوم.

لم تكن الرسالة موجّهة لأدهم…
كانت موجّهة للحياة نفسها.

النهاية… وبداية أخرى

لم يعد أدهم، ولم تحاول ليلى البحث عنه.
لكنها تعلّمت ما هو أهم:
أن الصمت لا يحمي القلوب دائمًا… بل يجرحها أحيانًا أكثر مما يداويها.
وأن الكبرياء جميل… لكن الحنين أقوى.
وأن بعض القلوب لا تُشفى إلا حين تتوقف عن الاختباء.

عاشت ليلى بعدها بسلام أكبر، بجرأة أكبر، وبقلب ما زال يحب… لكنّه لم يعد يخاف.
وأخيرًا…
أصبح قلبها يتكلم.

سحر العيون
سحر العيون
أكتب وأعبّر عن أفكاري ومشاعري من خلال القصص والقصائد، أستوحي إلهامي من تفاصيل الحياة والخيال. أكتب لألامس القلوب وأثير التأمل في المعاني الإنسانية. أؤمن بأن الكلمة قوة قادرة على التغيير والإلهام، وأجد في الكتابة عالمي الذي أتنفس فيه الإبداع.
تعليقات



    🅰