أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 شريط العناوين

من غاب وأهمل عمداً فنسيانه واجب… حكاية ليلى مع النسيان والكرامة

حين يغيب أحدهم بإرادته، يترك خلفه فراغاً لا يملؤه سوى النسيان.
اقرأ حكاية ليلى، التي علّمتها الخيبة أن بعض الغياب نعمة متخفية في هيئة وجع.

في تلك المدينة التي يكسوها الصمت عند المغيب، كانت “ليلى” تقف أمام نافذة غرفتها المطلة على البحر، تتأمل الأفق البعيد كمن يبحث عن شيء ضاع منه منذ زمن.
كانت الأمواج تتلاطم كما تتلاطم أفكارها، وتلك الذكريات التي لا تهدأ تطرق قلبها كلما حاولت أن تنسى.
لم تكن ليلى ممن يجهلون قيمة العطاء، لكنها تعلّمت متأخرة أن هناك من يأخذ الحب ولا يرده، من يغيب عمداً ليُطفئ فيك الشغف ثم يعود ليرى إن كان الرماد ما زال دافئاً.

مرت سنة كاملة منذ رحيله، سنة من الغياب المبرر بألف عذر كاذب، سنة من الانتظار الموجع والوعود التي تذوب كلما حاولت الإمساك بها.
قالت له يومًا وهي تبكي:

“الغائب عن العين، قد يبقى في القلب إن كان الغياب قدراً، لا هروباً.”
لكنه ابتسم ببرودٍ وقال:
“لا تدرين، ربما يكون البعد هو السبيل الوحيد للسكينة.”

ومنذ تلك اللحظة، عرفت أن الودّ الذي يُختبر بالغياب، لا يصمد إلا إن كان صادقاً.


1. وجع البداية

قبل عامين، كانت ليلى فتاةً يملأها الحلم، تعمل في مكتبة صغيرة وسط المدينة، وتجد في رائحة الورق عزاءً من فوضى الحياة.
ذات صباح، دخل “آدم” إلى المكتبة، يحمل ملامح رجلٍ يعرف ما يريد، وابتسامة من تلك التي تُربك القلب دون استئذان.
كان يبحث عن رواية نادرة بعنوان "المنسيون لا يعودون"، فدلّته عليها، ومنذ ذلك اليوم أصبح من رواد المكتبة الدائمين.

كان بينهما انسجام غريب، حديثهما يمتد من الكتب إلى الفلسفة، ومن الحلم إلى الخوف.
كانت تجد فيه صدقاً نادراً، وكان يجد فيها دفئاً يشبه الوطن.
ومع مرور الأيام، صار وجوده عادة لا تُكسر، حتى غاب فجأة، دون سبب ولا وداع.


2. الغياب الأول

في البداية ظنت أنه منشغل، فكتبت له رسالة قصيرة:

“أفتقد أحاديثنا، هل أنت بخير؟”

ولم تأتها إجابة.
ثم تكررت الأيام والفراغ يكبر، وصار الانتظار ثقلاً على روحها، كل دقيقة تمرّ كدهر.
بعد شهر كامل، تلقت منه رسالة مقتضبة:

“احتجت بعض الوقت وحدي، لا تقلقي.”

لكنها قرأت ما وراء الكلمات، ففهمت أن “الوحدة” ليست السبب، بل الهروب.
ذلك النوع من الهروب الذي لا يترك لك سوى السؤال:
هل أخطأت حين أحببت؟ أم حين صدّقت أن أحدهم سيبقى؟


3. حين يتحول الحب إلى درس

مرت الشهور، وتعلمت ليلى كيف تخفي وجعها بابتسامة.
كانت تخرج كل صباح إلى عملها، تحادث الزبائن، وترتّب الكتب، لكنها حين تعود، تصغي لصوت البحر كأنه يخبرها بأن من رحل لن يعود.
أحيانًا كانت تسأل نفسها:

“هل ما زال يفكر بي؟”
لكن الجواب كان يأتي من أعماقها:
“لو فكر بكِ، لما ترككِ.”

حينها فهمت المعنى الحقيقي لعبارة سمعتها يوماً من جدتها:

“من غاب عمداً، لا يستحق الانتظار.”

بدأت تقاوم حنينها بشجاعة، تقطع الخيوط الخفية التي كانت تربطها به، قطعةً قطعة، حتى كادت تنساه… أو ظنّت ذلك.


4. عودة لا معنى لها

في مساءٍ خريفي هادئ، وبعد عام كامل من الغياب، عاد.
دخل المكتبة كما لو أن الزمن لم يتحرك، وكأن غيابه كان نزهة قصيرة.
حين رآها، قال بابتسامةٍ واثقة:

“اشتقت لهذا المكان… ولهذا الوجه.”

لكنها لم تبتسم.
وقفت بثبات، تنظر إليه بعينين جامدتين، لا تحملان دفئاً ولا عتاباً.
قالت ببرودٍ يشبه برد ديسمبر:

“المكان لم يفتقدك، والوجه لم يعد كما تركته.”

حاول أن يبرر، أن يتحدث عن سفرٍ مفاجئ، عن مشاكلٍ شخصية، عن انشغالٍ قاسٍ… لكنها لم تعد تهتم.
فحين يُهمل أحدهم وجودك، يقتلك بالتدريج، ثم يعود ليطلب فرصة جديدة كأن شيئاً لم يكن.
ولكن بعض الكسور لا تُرمم.


5. حوار بين القلب والعقل

في تلك الليلة، جلست ليلى أمام المرآة، تحدث نفسها بصوتٍ عالٍ:

“هل أكرهه؟”
فأجاب قلبها:
“لا، ما زال فيكِ أثره.”
فقال عقلها بحدة:
“لكن من أحبك لا يغيب عمداً.”
“من تجاهلك عن وعي، لا يستحق ذكراك.”

كانت تلك المرة الأولى التي يتفق فيها القلب والعقل على شيء واحد:
أن النسيان أحياناً يكون شكلاً من أشكال الاحترام للذات.


6. البداية الجديدة

بعد تلك المواجهة، قررت ليلى أن تبدأ من جديد.
سافرت إلى مدينة ساحلية صغيرة لتعمل في مكتبة قديمة على الشاطئ، وأقسمت أن تملأ فراغها بما يفيد، لا بما يؤلم.
كانت كل صباح تجلس أمام البحر، تقرأ رواية جديدة، وتكتب خواطرها في دفتر أزرق غلافه من الجلد، كتب على صفحته الأولى:

“من غاب، وأهمل عمداً، فنسيانه واجب.”

صارت الكلمة شعارها في الحياة، تعويذة تحفظها من الانكسار.
لم تعد تبحث عن من يملأ فراغها، بل عن من يشاركها ضوءها.


7. اللقاء الذي لم تتوقعه

ذات مساء، كانت تشرف على تنظيم فعالية أدبية في المكتبة الجديدة، حين فوجئت بوجهٍ مألوف بين الحضور…
كان “آدم”.
اقترب منها بخطواتٍ مترددة، يحمل كتاباً بين يديه كهدية، وقال بصوتٍ خافت:

“سمعت عن نجاحك هنا… كنت فخوراً بك.”

لكنها لم تشعر بشيء.
تغير كل شيء… ملامحه، صوته، وحتى حضورُه لم يعد يعني شيئاً.
قالت له بهدوءٍ ناضج:

“كنتُ أحتاج تلك الجملة منك منذ عام، لكنك تأخرت كثيراً.”

صمت هو، وكأن الزمن يعاقبه على صمته القديم.
ثم أردفت:

“بعض الغياب لا يُغتفر، وبعض النسيان واجب لا اختيار.”

تركته واقفاً هناك، وغادرت دون أن تلتفت.
كانت تلك المرة الأولى التي تمشي فيها بثقة، لا هاربة من الماضي، بل متجهة نحوه لتغلق بابه إلى الأبد.


8. حين ينتصر النسيان

مرت ثلاث سنوات بعدها، وأصبحت ليلى كاتبة مشهورة، تُصدر كتاباً بعنوان “نسيانٌ واجب”، يتحدث عن الشجاعة في ترك من لا يُقدّرك.
كانت توقّع كتبها بابتسامة، والناس يسألونها إن كانت القصة واقعية، فتكتفي بقولها:

“كلنا كتبناها يوماً، لكن قلّة منّا عرفوا كيف ينهونها.”

في إحدى الأمسيات، أرسل لها آدم رسالة قصيرة عبر البريد الإلكتروني:

“قرأت كتابك… شعرت أنني بين السطور.”
فأغلقت الشاشة وكتبت لنفسها:
“إن عاد من غاب عمداً، فدعه يقرأك، لا أن يملكك.”

كانت قد تحررت أخيراً، لم تعد تنتظر اتصالاً، ولم تعد تكتب عن الحنين.
صار قلبها أوسع، لا ليحتضن من غاب، بل ليحب الحياة كما هي.


9. الخاتمة – نسيان بحكمة

في صباحٍ هادئ من شتاءٍ جديد، جلست ليلى على شاطئ مدينتها الأولى بعد غيابٍ طويل.
تذكرت كيف كان البحر مرآةً لحزنها، وكيف صار اليوم شاهداً على نضجها.
كتبت على الرمل كلماتٍ أخيرة قبل أن تمحوها الموجة:

“من غاب وأهمل عمداً، فنسيانه واجب… لا كرهاً، بل احتراماً للذات.”

ثم ابتسمت.
كانت تعرف أن الحياة لا تنتظر المترددين، وأن بعض الغياب ليس خسارة، بل بداية طريق نحو ضوءٍ جديد.
رفعت رأسها نحو السماء، شعرت أن روحها أخفّ، وأنها أخيراً حرّة.

سحر العيون
سحر العيون
أكتب وأعبّر عن أفكاري ومشاعري من خلال القصص والقصائد، أستوحي إلهامي من تفاصيل الحياة والخيال. أكتب لألامس القلوب وأثير التأمل في المعاني الإنسانية. أؤمن بأن الكلمة قوة قادرة على التغيير والإلهام، وأجد في الكتابة عالمي الذي أتنفس فيه الإبداع.
تعليقات



    🅰