أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 شريط العناوين

رواية بين صمت المهد وصرخة الزمن | الجزء الأول

في بيتٍ صغيرٍ من طينٍ وسقفٍ من خشبٍ مهترئ، تسكن امرأة تُدعى إلين، لم تكن تعلم أن القدر سيجعلها شاهدة على انكسارات قرنٍ بأكمله.


كانت شمس الصباح تلامس الجدران بكسلٍ، تُسدل خيوطها على الأرض التي امتصت رائحة الحليب والدموع في آنٍ واحد، بينما يجلس في قلب الغرفة مهدٌ صغيرٌ من القشّ، يتمايل برفقٍ كأن الريح تحادثه سرًّا.

جلست إلين إلى جواره، ترتدي ثوبًا بسيطًا غلب عليه البلى، وذراعاها متعبتان من غزل الأيام.
في عينيها ظلّ أمومةٍ لم تخفته الليالي، وشفتيها ترتجفان كلّما لامست أصابعها الصغيرة أطراف المهد، كأنها تودع جزءًا من نفسها في كل حركة.
كان طفلها الوحيد ينام، تتنفس معه بصمتٍ يختلط بأنفاس الخوف والرجاء، فالعالم من حولها لم يعد كما كان.

الفصل الأول: أيام الحروب والانتظار

مرت خمس سنوات منذ أن غادر زوجها إلى الجبهة في حربٍ لا تعرف لها معنى سوى أنها تسرق الرجال وتترك النسوة أرامل قبل الأوان.
كانت الحروب في أوروبا تُشعل القرى واحدة تلو الأخرى، لا تُبقي من الزرع سوى رماده، ولا من الحلم سوى أنينه.
وكانت إلين تعيش على أمل أن يعود يوماً، يطرق بابها بيده الخشنة المألوفة، ويقول كعادته بصوتٍ دافئ:
"لقد عدت يا لين… عدت من أجلكِ ومن أجل الصغير."

لكن الرسائل انقطعت، والجنود الذين يعودون يأتون بنصف أرواحهم، أو بذكرياتٍ متكسّرة لا تُنقذ قلباً من وجعه.
كل صباح، كانت تتجه نحو النافذة الخشبية، ترفع ستارة مهترئة وتنظر إلى الطريق الترابي الطويل الممتد نحو الغابة.
كانت تأمل أن تلمح خياله من بعيد، أو تسمع وقع حذائه العسكري على الأرض.
لكن كل ما تسمعه هو صدى الريح، وصوت الساعة المعلقة على الجدار، عقاربها تتحرك ببطءٍ كأنها تُسجّل رحيل الوقت بحدّة السكاكين.

الفصل الثاني: المهد والذاكرة

لم يكن المهد مجرد خشبٍ وقشٍّ بالنسبة لها، بل كان رمزًا للحياة وسط الفناء.
هي التي نسجته بيديها حين كانت تنتظر ولادتها الأولى، في ليالٍ يغمرها البرد والوحشة.
تتذكر كيف كان زوجها يوهان يُساعدها في تثبيت أطرافه، وكيف ضحك حين سقط الخيط من يدها للمرة الخامسة، قائلاً:
"أنتِ لا تعرفين كيف تُمسكين الخيوط، لكنك تمسكين قلبي كما لو كنتِ محترفة منذ ولادتك."

ضحكت يومها، ومنذ ذلك الحين صار المهد قطعة من روحهما.
لكن بعد رحيله، أصبح المهد صديقتها الوحيدة، تروي له ما لا تجرؤ أن تبوح به للناس.
كانت تحدّث الطفل النائم، تروي له قصص أبيه وبطولاته، كأنها تخشى أن ينسى اسمه قبل أن يتعلم نطقه.

كل مساءٍ، حين تهدأ القرية ويخمد صوت الدجاج والكلاب، كانت تجلس إلى جوار المهد تغني بصوتٍ متهدّج أغنيةً من تراث أمّها:

“نام يا صغيري، لا تخف من الظلام، ففي الغد نورٌ وربٌّ رحيم.”

وصوتها يختنق بين الكلمات، لأنها لم تعد تصدق تمامًا بوجود الغد.

الفصل الثالث: الرسالة

في أحد الأيام، بينما كانت تُصلح ثوبها الممزّق قرب النافذة، طرق الباب صوتٌ غريب.
فتحت وهي تتوجس، فإذا بجنديٍّ يحمل حقيبةً صغيرة ونظرةً شاحبة.
قال بصوتٍ متردد:
"هل أنتِ السيدة إلين يوهانسن؟"
هزّت رأسها، فسلّمها مغلفًا عليه ختم الجيش.
تراجعت خطوةً إلى الوراء، كأنّ الورق جمرٌ يلسع يدها.
جلست على المقعد الخشبي القديم، وفتحت الرسالة بأصابع مرتجفة.
لم يكن في الورقة سوى كلماتٍ قليلة، لكنها كانت كافية لتنسف العالم من تحت قدميها:

“نأسف لإبلاغكم أن الجندي يوهان يوهانسن، قد فُقد أثناء الخدمة في الجبهة الشرقية، ولا توجد معلومات إضافية.”

لم تبكِ مباشرة، بل ظلت تحدّق في الحروف، وكأن عقلها يرفض الاعتراف بالمعنى.
ثم فجأة، سقطت الورقة من يدها، وارتطم رأسها بجدار الصمت.
كانت الدموع تنساب على وجهها بلا صوت، كما لو أن الحزن صار طقسًا يوميًا.
اقتربت من المهد، رفعت الغطاء عن وجه صغيرها، ونظرت إليه طويلاً.
همست:
"أبوك لم يمت يا صغيري، لا أحد يموت إن بقي في قلوبنا."

لكن قلبها كان يعلم أنها تكذب.

الفصل الرابع: الصراع بين الإيمان واليأس

مرّت الأيام ببطءٍ كأنها تسير على عكازات الزمن.
أصبحت إلين تُدير حياتها على رتابةٍ مؤلمة، توقظ طفلها، تُطعمه، تُغسل الثياب، ثم تجلس أمام المهد تنتظر أن يمرّ النهار.
كانت الساعة المعلقة على الجدار تذكّرها دومًا بأن الزمن لا يرحم، وأن كل دقيقة تمضي تبتلع شيئًا من أملها.

وفي إحدى الليالي العاصفة، حين هاجت الرياح وارتطمت الأمطار بالنافذة، أطفأت المصباح الزيتي وجلست أمام المهد تمسح بيدها على شعر طفلها.
نظرت إلى الصليب المعلّق على الجدار وقالت بصوتٍ خافت:
"يا رب، هل تسمعنا؟ لقد صبرت بما يكفي، لكني صرت أخاف من الغد أكثر مما أرجوه."

ثم غلبها النوم وهي ممسكة بطرف المهد.
رأت في حلمها يوهان واقفًا عند الباب، مبتسمًا كعادته، يحمل بين يديه وردةً ذابلة.
قال لها:
"لين، لا تبكي، أنا هنا... في كل نسمةٍ تمرّ على وجهك، في كل ضوءٍ ينساب من النافذة، لا تبحثي عني في المقابر، فأنا في قلبك."
استيقظت على صوت صراخ الطفل، فضمّته إلى صدرها بقوةٍ حتى هدأ.
أحسّت أن الحلم لم يكن إلا رسالة من وراء الغياب.

الفصل الخامس: بداية التغيير

في الصباح، خرجت إلى ساحة البيت لأول مرة منذ شهور.
كانت الأشجار عارية، والسماء رمادية، لكن شيئًا في قلبها تغيّر.
قررت أن تبدأ من جديد.
نظرت إلى المهد وقالت:
"لن يعيش هذا الطفل في الحزن. سأزرع حوله حياةً جديدة، حتى وإن كنت وحدي."

بدأت تعمل في الحياكة لجيرانها، تنسج الشباك للبحّارة وتبيعها في السوق.
كانت الأيادي متعبة، لكن الروح استعادت شيئًا من عزيمتها.
كل عقدة في الشبكة كانت كأنها صلاة، وكل خيطٍ كأنّه وعد.

ومع مرور الأيام، أصبحت تُعرف في القرية باسم "أم الأمل"، لأن كل من يدخل بيتها يجد فيه دفئًا رغم الفقر.
لكن داخلها، كانت تعرف أن الحنين إلى يوهان لم يمت، بل استقرّ في مكانٍ عميق من روحها، يُضيء حين يخفت كلّ شيء.

ذات مساءٍ، جلست أمام المهد كعادتها، والطفل نائمٌ بهدوءٍ.
أمسكت الشبكة التي كانت تصلحها، ونظرت إلى ساعة الجدار التي توقفت منذ أسابيع.
قالت في سرّها:
"ربما لم يتوقف الزمن، بل أنا التي توقفت داخله."

ابتسمت رغم الحزن، ثم أغمضت عينيها قليلًا لتسمع أنين الريح.
لكنها لم تعلم أن الغد كان يُخبّئ لها خبرًا سيُبدّل كل شيء، وأن رحلة الألم ستتحول إلى قدرٍ جديدٍ لم تتخيله.

سحر العيون
سحر العيون
أكتب وأعبّر عن أفكاري ومشاعري من خلال القصص والقصائد، أستوحي إلهامي من تفاصيل الحياة والخيال. أكتب لألامس القلوب وأثير التأمل في المعاني الإنسانية. أؤمن بأن الكلمة قوة قادرة على التغيير والإلهام، وأجد في الكتابة عالمي الذي أتنفس فيه الإبداع.
تعليقات



    🅰