أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 شريط العناوين

رواية بين صمت المهد وصرخة الزمن | الجزء الأول

مقدمة الرواية: حكاية من زمن الانكسارات

في جوف قرية منسية لم تصلها خطوط الخرائط الحديثة، وفي بيتٍ صغيرٍ متواضع بُنيت جدرانه من طينٍ دافئ وسُقف بألواح من خشبٍ مهترئ قاوم عاتيات السنين، كانت تسكن امرأة تُدعى "إلين". لم تكن إلين مجرد امرأة ريفية عادية، بل كانت الروح التي اختارها القدر لتكون شاهدة حية على انكسارات قرنٍ بأكمله، ومآسي حروب طحنت الأخضر واليابس.

كانت شمس الصباح تلامس الجدران الطينية بكسلٍ شديد، وكأنها تخشى إيقاظ الأوجاع النائمة في ذلك البيت. تُسدل الشمس خيوطها الذهبية الباهتة على الأرض الترابية التي امتصت عبر السنوات رائحة حليب الأطفال النقي ودموع الأمهات الحارقة في آنٍ واحد. في قلب تلك الغرفة الوحيدة، كان يقبع مهدٌ صغيرٌ مصنوعٌ من القشّ الخشن، يتمايل برفقٍ واهتزازات خفيفة كأن ريح الخريف تحادثه سرًّا وتهسس له بأسرار الراحلين.

جلست إلين إلى جوار هذا المهد، كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا غلب عليه البلى والتعب، وذراعاها النحيفتان تبدوان متعبتين من غزل الأيام ومجابهة قسوة العيش وحيدة. في عينيها الواسعتين كان يرتسم ظلّ أمومةٍ عظيم، ظلّ لم تستطع عتمة الليالي الموحشة أن تخفته أو تمحو بريقه. كانت شفتاها ترتجفان بوجل كلّما لامست أصابعها الصغيرة أطراف المهد الدائرية، كأنها بتلك اللمسات تودع جزءًا غاليًا من نفسها في كل حركة، أو تستمد القوة لمواصلة رحلة الغد المجهول.

في تلك اللحظات، كان طفلها الوحيد يغط في نومٍ عميق، وتتنفس الأم معه بصمتٍ مطبق، صمتٍ غريب يختلط فيه أنفاس الخوف من المجهول مع أنفاس الرجاء في غدٍ أفضل؛ فالعالم من حولها قد تبدل تماماً، ولم يعد كسابقه أبدًا.

الفصل الأول: أيام الحروب وطول الانتظار

لقد مرت خمس سنوات كاملة، خمس سنوات بحساب الأيام والساعات والدقائق، منذ أن غادر زوجها الحبيب "يوهان" عتبة هذا البيت متجهاً إلى الجبهة في حربٍ عالمية طاحنة. حرب لا تعرف لها النساء البسيطات معنى أو سبباً، سوى أنها آلة جهنمية تسرق الرجال من أحضان عائلاتهم، وتترك النسوة أرامل يصارعن الفقر والوحدة قبل الأوان.

كانت نيران الحروب في القارة الأوروبية تُشعل القرى والبلدات واحدة تلو الأخرى، لا تُبقي من الزرع الأخضر سوى رماده الأسود، ولا تترك من أحلام الشباب الغضة سوى الأنين والآهات. ورغم كل هذا الدمار المحيط بها، كانت إلين تعيش على أمل ضئيل لكنه متجذر في أعماق قلبها؛ أمل أن يعود يوهان يوماً ما، يطرق بابها الخشبي القديم بيده الخشنة المألوفة التي طالما منحتها الأمان، ويقول لها كعادته بصوتٍ دافئ يذيب صقيع الأيام: "لقد عدت يا لين… عدت من أجلكِ أنتِ ومن أجل صغيرنا الغالي".

ولكن، مع مرور الأشهر والسنوات، انقطعت الرسائل تماماً، وباتت أخبار الجبهة شحيحة كقطرات المطر في فصل الصيف. والجنود القلائل الذين كانوا يعودون إلى القرية بين الحين والآخر، كانوا يأتون بنصف أرواح، مكسوري القلوب، أو محملين بذكرياتٍ مشوهة ومتكسّرة لا يمكنها أن تُنقذ قلباً مشتاقاً من وجعه الممتد.

كل صباح، مع أول بزوغ للفجر، كانت إلين تتجه بخطوات وئيدة نحو النافذة الخشبية الوحيدة في الغرفة. ترفع بيدها المتعبة ستارة قماشية مهترئة، وتطيل النظر إلى الطريق الترابي الطويل الممتد من أطراف القرية ونحو الغابة الكثيفة المظلمة. كانت تأمل في كل ثانية أن تلمح خياله القادم من بعيد، أو تسمع وقع حذائه العسكري الثقيل على الأرض الصلبة. لكن واأسفاه، فكل ما كان يصل إلى مسامعها هو صدى الريح العاصفة، وصوت رنين الساعة المعلقة على الجدار؛ تلك العقارب التي تتحرك ببطءٍ قاتل كأنها تُسجّل رحيل الوقت بحدّة السكاكين التي تغرس في جسد الانتظار.

الفصل الثاني: المهد والذاكرة الحية

لم يكن ذلك المهد القابع في زاوية الغرفة مجرد قطع من خشبٍ متصلب وقشٍّ يابس بالنسبة لإلين، بل كان رمزاً صارخاً للحياة المستمرة وسط بحار الفناء والموت. هي التي نسجت تفاصيله وقشّه بيديها العاريتين حينما كانت تنتظر ولادتها الأولى، في ليالٍ شتوية طويلة يغمرها البرد الشديد والوحشة القاتلة.

تنبعث الذاكرة فجأة لتعيدها إلى الوراء؛ تتذكر بدقة كيف كان زوجها يوهان يُساعدها في تثبيت أطراف المهد الخشبية، وكيف تعالت ضحكاته الدافئة في أرجاء الغرفة حين سقط الخيط من يدها المرتبكة للمرة الخامسة على الأرض، حيث قال لها مداعباً: "أنتِ لا تعرفين كيف تُمسكين خيوط الصوف يا لين، لكنكِ وبلا شك تمسكين قلبي وتحكمين قبضتكِ عليه كما لو كنتِ محترفة في العشق منذ ولادتك".

ضحكت يومها من قلبها، ومنذ تلك اللحظة تحديداً، صار المهد قطعة حية من روحهما المشتركة. ولكن بعد رحيله إلى ساحات القتال، تحول المهد ليكون صديقها الوحيد وكاتم أسرارها؛ تروي له في جنح الليل ما لا تجرؤ أن تبوح به لنساء القرية خشية الشفقة أو الشماتة. كانت تجلس وتحدث طفلها النائم بصوت خافت، تروي له بطولات أبيه الغائب وحكايات مروءته، كأنها تخشى وتتحسب أن ينسى الصغير اسم أبيه وملامحه قبل أن يتعلم نطقه الحروف.

كل مساءٍ، حين يحل الهدوء التام على القرية ويخمد صوت الدجاج وتكف الكلاب عن العواء، كانت تجلس إلى جوار المهد وهي تغني بصوتٍ متهدّج وحزين أغنيةً قديمة من تراث أمّها الراحلة: “نام يا صغيري وقر عيناً، لا تخف من الظلام الدامس، ففي الغد نورٌ مشرق وربٌّ رحيم يجمع الشتات.” ولكن صوتها كان دائماً يختنق بين الكلمات والعبارات، لأنها في قرارة نفسها لم تعد تصدق تماماً بوجود ذلك "الغد" المنتظر.

الفصل الثالث: الرسالة والخبر الفاجع

في أحد أيام الخريف الكئيبة، بينما كانت إلين تجلس قرب النافذة تُصلح بقايا ثوبها الممزّق لتتقي به برد الشتاء القادم، طرق الباب فجأة صوتٌ غريب وضربات متلاحقة غير معتادة. فتحت الباب وهي تتوجس خيفة، ونبضات قلبها تتسارع بشكل جنوني، فإذا بجنديٍّ شاب يرتدي زياً عسكرياً رثاً، يحمل في يده حقيبةً جلدية صغيرة وعلى وجهه ترتسم نظرة شاحبة يملؤها الأسى.

نظر إليها وقال بصوتٍ متردد ومتلعثم: "هل أنتِ السيدة إلين يوهانسن؟ زوجة الجندي يوهان؟"

هزّت رأسها إيجاباً دون أن تنطق بكلمة واحدة، فمد يده وسلّمها مغلفاً ورقياً رسمياً مغلقاً ومختوماً بختم الجيش الصارم. تراجعت إلين خطوةً إلى الوراء برعب، كأنّ ذلك الورق لم يكن ورقاً بل جمرٌ حارق يلسع يدها ونفسها. جلست على المقعد الخشبي القديم الذي شهد أجمل أيامها، وفتحت الرسالة بأصابع مرتجفة تكاد لا تقوى على حمل المغلف.

لم يكن في الورقة الرسمية سوى كلماتٍ قاسية وجافة وقليلة، لكنها كانت كافية تماماً لتنسف العالم بأكمله من تحت قدميها، وتحول آمالها إلى رماد: “نأسف بشدة لإبلاغكم أن الجندي يوهان يوهانسن، قد فُقد الأثر الخاص به أثناء أداء الخدمة العسكرية في الجبهة الشرقية الشرسة، ولا تتوفر لدينا أي معلومات إضافية أو تفاصيل أخرى حتى الآن.”

لم تبكِ إلين مباشرة، ولم تصرخ؛ بل ظلت لعدة دقائق تحدّق في الحروف المطبوعة بجمود، وكأن عقلها يرفض رفضاً قاطعاً الاعتراف بهذا المعنى الكارثي. ثم وفجأة، سقطت الورقة من يدها المرتخية، وارتطم رأسها المثقل بالهموم بجدار الصمت الرهيب. بدأت الدموع تنساب غزيرة على وجهها الشاحب بلا صوت، في مشهد يفطر القلوب، كما لو أن الحزن والوجع غدا طقساً يومياً مفروضاً عليها.

اقتربت ببطء من المهد، ورفعت الغطاء القطني الخفيف عن وجه صغيرها النائم، ونظرت إلى ملامحه الطفولية الشبيهة بأبيه طويلاً. ثم همست في أذنه بنبرة تحدٍّ: "أبوك لم يمت يا صغيري.. أقسم أنه لم يمت، فلا أحد يموت أبداً إن بقي حياً في قلوبنا وذاكرتنا". ولكن قلبها المفطور في ذات الوقت كان يعلم تماماً أنها تكذب لتصبر نفسها.

الفصل الرابع: الصراع المرير بين الإيمان واليأس

مرّت الأيام والأسابيع بعد ذلك الخبر ببطءٍ شديد، كأنها شيخ طاعن في السن يسير على عكازات الزمن المكسورة. أصبحت إلين تُدير حياتها اليومية برتابةٍ قاتلة ومؤلمة؛ توقظ طفلها في الصباح، تُطعمه بكسيرات الخبز المتاحة، تغسل الثياب القليلة، ثم تجلس أمام المهد الخشبي تنتظر بمرارة أن يمرّ النهار وينتهي. كانت الساعة المعلقة على الجدار تذكّرها في كل تكة من تكاتها بأن الزمن قطار لا يرحم الضعفاء، وأن كل دقيقة تمضي تبتلع في جوفها شيئاً من أملها المتآكل.

وفي إحدى الليالي الشتوية العاصفة، حين هاجت الرياح في الخارج وارتطمت حبات الأمطار الغزيرة بعنف بالنافذة الخشبية، أطفأت إلين المصباح الزيتي الشحيح وجلست في العتمة أمام المهد تمسح بحنان غامر بيدها على شعر طفلها الناعم. رفعت بصرها ونظرت إلى الصليب الخشبي الصغير المعلّق على الجدار وقالت بصوتٍ خافت متهدج: "يا رب السموات والأرض، هل تسمع مناجاتنا؟ لقد صبرت بما يكفي وتحملت ما لا تطيقه الجبال، لكني اليوم صرت أخاف من الغد أكثر مما أرجوه وأتمناه".

ثم غلبها النوم والنعاس من شدة الإعياء وهي ما زالت ممسكة بطرف المهد القشي. في تلك الليلة، رأت في منامها رؤيا عجيبة؛ رأت زوجها يوهان واقفاً عند عتبة الباب، مبتسماً متهللاً كعادته القديمة، وكان يحمل بين يديه وردةً حمراء لكنها ذابلة. نظر إليها وقال لها بنبرة حنونة: "لين، حبيبتي لا تبكي.. أنا لم أغادركِ قط، أنا هنا دائماً.. في كل نسمة ريحٍ باردة تمرّ على وجهك المتعب، وفي كل خيط ضوءٍ ينساب من النافذة ليضيء غرفتك، لا تبحثي عني في المقابر بين الأموات، فأنا حي في قلبكِ النابض".

استيقظت إلين فجأة وفزعاً على صوت صراخ طفلها المذعور من صوت الرعد، فضمّته إلى صدرها الدافئ بقوةٍ وحنان حتى هدأ تماماً وعاد لنومه. أحسّت في تلك اللحظة أن ذلك الحلم لم يكن مجرد أضغاث أحلام، بل كان رسالة سماوية حقيقية قادمة من وراء غيابات الغياب لتنير لها الطريق.

الفصل الخامس: بداية التغيير وبزوغ الأمل

مع إشراقة الصباح التالي، خرجت إلين إلى ساحة البيت الخارجية لأول مرة منذ شهور طويلة قضتها في عزلة تامة. كانت الأشجار المحيطة عارية تماماً من أوراقها بفعل الخريف، والسماء ملبدة بغيوم رمادية كثيفة، لكن شيئاً ما عميقاً في قلب إلين قد تغيّر وتبدل بالكامل. لقد قررت في تلك اللحظة أن تضع حداً لليأس وأن تبدأ رحلة الحياة من جديد.

نظرت بثبات إلى طفلها ثم إلى المهد وقالت بعزيمة وإصرار: "لن ينمو هذا الطفل ويعيش في ظلال الحزن والكآبة. سأزرع حوله حياةً جديدة مفعمة بالأمل، حتى وإن كُتب عليّ أن أخوض هذه المعركة وحدي دون معين".

وبالفعل، بدأت إلين تعمل جاهدة في مهنة الحياكة ونسج الصوف لجاراتها في القرية، كما تعلمت صيد وتنسيج الشباك القوية للبحّارة لتبيعها في سوق المدينة المجاورة. كانت أياديها الناعمة تتشقق وتتعب من خشونة الخيوط، ولكن روحها الداخلية استعادت شيئاً كبيراً من عزيمتها وقوتها المفقودة. كان يخيّل إليها أن كل عقدة تربطها في شبكة الصيد هي بمثابة صلاة ترفعها إلى السماء، وكل خيطٍ تنسجه هو بمثابة وعد تقطعه لولدها بمستقبل أفضل.

ومع مرور الأيام والشهور، تبدلت نظرة أهل القرية إليها، وأصبحت تُعرف وتُلقب في أرجاء القرية باسم "أم الأمل"؛ لأن كل من كان يمر بضائقة أو يدخل بيتها المتواضع، كان يجد فيه دفئاً غريباً وراحة نفسية رغم مظاهر الفقر الشديد المحيطة بالمكان. ولكن في داخلها، كانت إلين تعرف يقيناً أن الحنين الجارف لزوجها يوهان لم يمت ولن يموت، بل استقرّ في ملاذ آمن ومكانٍ عميق من روحها، يُضيء لها عتمة الأيام حين يخفت ويظلم كلّ شيء من حولها.

ذات مساءٍ هادئ، جلست إلين أمام المهد كعادتها اليومية، وكان طفلها ينام بهدوءٍ ملائكي دافئ. أمسكت بقطع شبكة الصيد الكبيرة التي كانت تُصلح خيوطها المتضررة، ونظرت برهة إلى ساعة الجدار القديمة التي كانت قد توقفت عن العمل تماماً منذ أسابيع لخلل فيها. ابتسمت ابتسامة خفيفة يملؤها الشجن، وقالت في سرّها ومناجاة نفسها: "ربما لم يتوقف الزمن عن الدوران كما كنت أظن.. بل أنا هي التي كنت قد توقفت وتجمدت داخله".

أغمضت عينيها قليلًا لتستمتع بأنين الريح الخارجية وصوت هدوء طفلها، وهي لا تعلم أبداً أن الغد القريب كان يُخبّئ لها مفاجأة مدوية وخبراً عاصفاً سيُبدّل مجرى حياتها بالكامل، وأن رحلة الألم الطويلة ستتحول قريباً جداً إلى قدرٍ جديدٍ ومسار لم تكن لتتخيله حتى في أشد أحلامها جموحاً...

(يتبع في الجزء الثاني...)

سحر العيون
سحر العيون
أكتب وأعبّر عن أفكاري ومشاعري من خلال القصص والقصائد، أستوحي إلهامي من تفاصيل الحياة والخيال. أكتب لألامس القلوب وأثير التأمل في المعاني الإنسانية. أؤمن بأن الكلمة قوة قادرة على التغيير والإلهام، وأجد في الكتابة عالمي الذي أتنفس فيه الإبداع.
تعليقات



    🅰