كان الليل بارداً كأنفاس مدينة فقدت الدفء منذ زمن، والشارع المبتل بالمطر يعكس أضواء المصابيح الشاحبة كأنه ينوح بصمت. في زاوية صغيرة قرب المقهى القديم، جلس "آدم" يحتضن كوب قهوته الفاتر، ينظر من خلال زجاج النافذة إلى المارة الذين يسيرون على عجل، كلٌّ في طريقه، كلٌّ يحمل سبباً للعودة إلى مكان ما… إلا هو.
كان الغياب يثقل صدره، لا غياب شخص بعينه، بل غياب الجميع. هو الغريب الذي لا أحد يسأل عنه، ولا أحد ينتظره. كان يتذكر طفولته في دار الأيتام حين كان الأطفال يهرولون كل يوم أحد نحو البوابة في انتظار زيارة أحدهم، بينما يبقى هو واقفاً في الخلف يراقبهم. كان ينظر إلى ابتساماتهم الممزوجة بالحنان، ويحاول أن يتخيل لو أن أحداً جاء لأجله، فقط ليقول له: “اشتقت إليك”. لكنه كان يعرف أنه لا أحد سيأتي.
كبر آدم على الهامش، لم يتعلم كيف يكون محبوباً، ولا كيف يكون مهماً في حياة أحد. كان يمر بين الناس كظل لا يُرى، يبتسم حين يجب أن يبتسم، ويتحدث حين يُطلب منه الحديث. لكنه في أعماقه كان يعلم أنه يعيش بلا رابط، بلا خيط يربطه بهذا العالم سوى حاجته إلى البقاء حيّاً.
في الليالي الطويلة، حين يصمت كل شيء، كان يجلس أمام نافذته الصغيرة في شقته المستأجرة، ينظر إلى السماء الخالية من النجوم، ويهمس لنفسه:
"أنا لا أملك شخصاً يخاف أن يخسرني، ولا ينام حتى يعرف أخباري، لذلك يمكنني الغياب متى شئت."
كانت هذه الجملة تشبهه. لا أحد سيلاحظ إن غاب، لا أحد سيبحث عنه. كان يعيش كأنه مؤقت في كل مكان، لا يترك أثراً ولا يأخذ شيئاً معه.
في يومٍ ماطر آخر، وبينما كان يسير عائداً من عمله المتعب في المستودع، لاحظ قطة صغيرة ترتجف قرب حاوية قمامة. اقترب منها ببطء، فحدقت به بعينيها الخائفتين. مد يده نحوها بحذر، فهربت قليلاً ثم توقفت كأنها تستنجد به. حملها برفق، وضعها داخل معطفه، وشعر بدفء غريب يسري في صدره. لم يكن قد لمس كائناً بهذا الحنان منذ زمن طويل.
عاد إلى شقته ووضع لها قطعة قماش لتنام عليها، وقدّم لها بعض الحليب، وظل يراقبها وهي تشرب بتردد. لأول مرة منذ سنوات، شعر أن هناك روحاً صغيرة تتعلق بوجوده. أطلق عليها اسم "نورا".
مرت الأيام، وصار وجود "نورا" يمنحه سبباً بسيطاً للعودة إلى البيت. كان يستيقظ صباحاً على موائها، ويعود مساءً ليجدها تنتظره عند الباب. كان هذا الانتظار يعني له الكثير، أكثر مما كان يظن أن معنى الانتظار يمكن أن يكون. صارت القطة الصغيرة هي عائلته الوحيدة، صديقته الصامتة التي تشاركه وحدته دون أن تسأله شيئاً.
لكن الحياة لم تمنحه طويلاً هذا الرفيق الصغير. في مساءٍ بارد، حين عاد متعباً من عمله، وجد الباب موارباً، والغرفة فارغة. بحث عنها في كل زاوية، نادى بصوت مبحوح: “نورا!”، لكن لم يأتِه سوى صدى صوته المرتد من الجدران. كانت النافذة مفتوحة قليلاً، والريح تحمل شيئاً من غياب لا تفسير له.
جلس على الأرض يضم معطفها القديم، يشعر بأن شيئاً داخله انكسر مرة أخرى. ذلك الشعور القديم بالوحدة عاد أقوى من أي وقت مضى. كأن الحياة تسخر منه، تأخذ منه كل ما يمنحه ذرة دفء. تلك الليلة، لم يشعل النور، ولم يأكل. فقط جلس في الظلام، يحدق في اللاشيء.
في الصباح، ذهب إلى عمله كالمعتاد، لكن وجهه كان شاحباً وصمته أثقل من الكلام. لم يلاحظ أحد غيابه المعنوي، فهم بالكاد يعرفونه. وفي المساء، مر بالمقهى ذاته، جلس في المكان نفسه، طلب القهوة ذاتها. سألته النادلة بابتسامة مصطنعة: “هل تنتظر أحداً؟”
نظر إليها وقال بهدوء: “لا، لم أنتظر أحداً في حياتي.”
مرت الشهور، وصار يكتب ملاحظات صغيرة على دفتر قديم يحتفظ به تحت وسادته. كان يكتب فيها أفكاره بصيغة رسائل لا مرسل لها. في إحدى الصفحات كتب:
“لو أن أحدهم يعرف أنني أعيش هنا، ربما لكان العالم أقل قسوة.”
وذات مساء، أثناء تجواله المعتاد بلا هدف، لمح فتاة تجلس وحيدة في الحديقة العامة. كانت تبكي بصمت، ويدها ترتجف وهي تمسح دموعها. لم يعرف لماذا توقف عندها، لكنه سألها:
– هل أنتِ بخير؟
رفعت رأسها، ونظرت إليه بعينين مبللتين بالدموع، وقالت بصوت خافت:
– لا، لا أحد بخير.
جلس إلى جوارها دون أن يتكلم. بعد لحظات طويلة، بدأت تحكي. قالت إنها فقدت والدها منذ أشهر، وإن العالم بعدها صار بارداً، وإنها تشعر أن لا أحد يفهمها. لم يكن آدم من أولئك الذين擅ون الكلمات، لكنه اكتفى بأن يقول:
– الوحدة لا تقتلنا، لكنها تجعلنا ننسى كيف نعيش.
نظرت إليه بدهشة، وكأنها رأت في كلماته انعكاساً لحزنها. تبادلا الحديث ببطء، حتى أدركت أن هذا الرجل الغريب يفهم ما تشعر به أكثر من أي أحد. سألته عن حياته، فأجابها بابتسامة خفيفة:
– أنا مجرد شخص بلا بداية ولا نهاية.
مرت أيام قليلة، والتقيا مجدداً في المكان نفسه. كانت تضحك هذه المرة قليلاً، تحكي له عن ذكريات والدها، وهو يستمع كأنه يخزن دفء تلك اللحظات في قلبه. شيئاً فشيئاً، صار يشعر أن العالم لم يعد بارداً كما كان، وأن هناك احتمالاً صغيراً أن لا يكون وحده.
لكن السعادة بالنسبة لآدم كانت مثل الضوء في نهاية نفق لا يصل إليه أحد. في أحد الأيام، حين عاد إلى الحديقة، لم يجدها. انتظر لساعات، وعاد في اليوم التالي، ثم بعده، لكنها لم تعد. سأل عنها في المقهى القريب، فقالوا إنهم رأوها آخر مرة قبل أسبوعين، ثم اختفت.
عاد إلى شقته بخطوات ثقيلة، وكل شيء فيه عاد إلى الصمت من جديد. جلس أمام النافذة وقال لنفسه:
"ربما لم تُخلق لي الروابط. ربما أنا مجرد عابر في حيوات الآخرين، أترك أثراً صغيراً وأرحل."
مرت الأيام، وصار الغياب صديقه الدائم. لم يعد يتحدث مع أحد، ولم يعد يبتسم. كل ما حوله فقد لونه، حتى صوته حين يتحدث صار باهتاً كأنه صدى لشيء كانه يوماً.
في إحدى الليالي، كتب آخر رسالة في دفتره:
“إلى من سيجد هذا الدفتر، لا تبحث عني. أنا بخير حيثما أكون، لأن لا أحد ينتظرني، ولا أحد سيفقدني. لقد عشت كما لو أنني لم أكن، وهذا يكفيني.”
بعد أيام، لم يظهر في عمله. لم يأتِ إلى المقهى، ولم يدفع إيجار شقته. ظن صاحب العقار أنه غادر المدينة، وحين فتح الباب بعد أسبوعين وجد الغرفة كما هي: سرير مرتب، كوب قهوة بارد، ودفتر مفتوح على الصفحة الأخيرة.
لم يكن هناك جسد، ولا أثر يدل على أين ذهب. كأن الأرض ابتلعته بصمت. فقط النافذة كانت مفتوحة، والريح تداعب صفحات الدفتر كأنها تودعه.
الناس لم يلاحظوا غيابه. المقهى استمر في عمله، والشارع ظل مزدحماً بالمارة. لم يتحدث أحد عنه، ولم يكتب أحد اسمه في خبر. لكنه في مكانٍ ما، ربما وجد الراحة التي لم يجدها بين البشر.
في تلك المدينة التي لا تتذكر أحداً، ظل صدى صوته يتردد في أزقتها الباردة:
“أنا لا أملك شخصاً يخاف أن يخسرني، ولا ينام حتى يعرف أخباري، لذلك يمكنني الغياب متى شئت.”
كان الغياب بالنسبة له شكلاً آخر من الوجود، وربما الطريقة الوحيدة التي استطاع بها أن يجد نفسه أخيراً، بعيداً عن ضجيج العالم الذي لم يره يوماً.

أرائكم تسعدنا:لمتابعة التعليق حتى نرد عليك فقط ضع إشارة على إعلامى