كان يعيش رجل يُدعى سامي مع أسرته الصغيرة. لم يكن بيتهم أكثر من غرفتين صغيرتين، جدرانها مائلة وسقفها مغطى بصفائح الصفيح، ينامون تحتها في ليالي الشتاء الطويلة على أمل ألا تسقط فوق رؤوسهم. سامي لم يكن رجلاً كسولاً ولا عاطلاً، بل كان من أولئك الذين كسرهم القدر رغم كل ما بذلوه من جهد. يعمل في ورشة نجارة صغيرة منذ كان في الخامسة عشرة من عمره، يصحو قبل الفجر ويعود مع المغيب، يده مليئة بالخدوش وملابسه تحمل رائحة الخشب والزيت، لكنه كان راضياً، على الأقل كان يملك قوت يومه ويستطيع أن يضع شيئاً بسيطاً على مائدة أسرته.
زوجته هناء، امرأة في الثلاثين من عمرها، كانت من تلك النساء اللواتي يشعّ الحزن من عيونهن رغم ابتسامتهن الهادئة. تعمل في تنظيف البيوت أحياناً، وأحياناً تبيع الخضار عند باب البيت لتساعد زوجها. كانت مؤمنة أن "الستر أهم من المال"، لكن السنوات علمتها أن الستر وحده لا يطعم الأطفال ولا يطفئ البرد. لديهم ثلاثة أطفال: ليلى ذات العشر سنوات، وكرم في الثامنة، والصغير يوسف الذي لم يتجاوز الخامسة بعد.
كانت الحياة تمضي بصعوبة، ولكن بصبر. في كل صباح كانت هناء توقظ أولادها للمدرسة، تضع في حقائبهم قطعة خبز وجبنة، وتوصيهم بأن يذاكروا جيداً حتى لا يعيشوا مثل أبيهم. أما سامي فكان يحلم أن يرى أولاده متعلمين، يرتدون ملابس نظيفة ويجلسون على مكاتبهم لا على ألواح الخشب في الورشة.
في أحد الأيام، وبينما كان سامي يعمل في الورشة، انزلقت قطعة خشب ثقيلة على يده اليسرى، فصرخ من الألم وسقط أرضاً. أسرع زملاؤه إليه وحملوه إلى المستشفى، وهناك كانت الصدمة، إذ أخبره الطبيب أن أعصاب يده قد تضررت بشدة وأنه لن يستطيع استخدام يده كما كان من قبل. كانت تلك الكلمات كالرصاصة في قلبه، شعر أن كل أحلامه انهارت في لحظة، فكيف سيعمل نجاراً بيد واحدة؟
عاد إلى بيته مكسوراً، ووجهه شاحب كأنه خرج من معركة خاسرة. نظرت إليه هناء بقلق وهي تخفي دموعها خلف ابتسامة ضعيفة، وقالت له "الحمد لله على السلامة، المهم أنك بخير يا سامي". لكنه لم يكن بخير، ليس في جسده فقط، بل في داخله، فقد شعر بأنه أصبح عبئاً على عائلته. حاول أن يعمل بعد الحادث، لكن الألم كان أقوى من إرادته، فبدأت الأيام تمرّ ثقيلة كأنها تسخر منه.
مرت الشهور، وتراكمت الديون، وتوقفت هناء عن إرسال الأطفال إلى المدرسة لأنها لم تعد تستطيع شراء الكتب والزيّ. كرم بدأ يعمل مع بائع متجول في السوق مقابل بضع جنيهات، وليلى كانت تساعد أمها في تنظيف البيوت. أما يوسف فكان يجلس أمام الباب يلعب بقطع الخشب المكسورة وكأنه يقلد والده.
في المساء، حين ينام الجميع، كان سامي يجلس في الظلام يتأمل سقف البيت ويتساءل: كيف تحولت حياته إلى هذا الشكل؟ تذكر أحلامه عندما كان شاباً، كيف كان يحلم أن يفتح ورشة كبيرة ويعلّم أولاده الحرفة، وكيف كان يؤمن أن الجد والاجتهاد يكفيان لبناء مستقبل كريم، لكنه لم يدرك أن الحياة في هذا البلد لا تعترف بالجد فقط، بل بالحظ والواسطة أحياناً، وأن الفقراء مهما تعبوا يبقون عند الحافة.
في إحدى الليالي، بينما كانت الأم تغلي القليل من العدس للعشاء، انطفأت الكهرباء فجأة، فقال كرم وهو يحاول أن يرى في الظلام: "ماما، ليه كل مرة الكهرباء بتقطع عنا وإحنا ناكل؟"، أجابته بصوت مبحوح "لأن الحارة كلها فقيرة يا ابني، حتى النور ما بيحبنا". ضحكت ليلى بخفة لتخفي حزنها، وقالت: "بس إحنا أقوي من النور، إحنا منضوي ببعض"، ثم نظرت إلى أبيها الذي لم يردّ، بل اكتفى بنظرة حزينة نحوها.
في اليوم التالي قررت هناء أن تذهب إلى أحد البيوت الغنية التي كانت تعمل
فيها من قبل لتطلب عملاً. عندما طرقت الباب فتحته امرأة أنيقة تحمل فنجان
قهوة في يدها، نظرت إلى هناء من أعلى رأسها إلى قدميها، ثم قالت ببرود:
"أوه، انتي رجعتي؟ فكرتي هتلاقي شغل بعد ما سبتينا؟ الدنيا مش فوضى". حاولت
هناء أن تشرح لها أن زوجها مريض وأنها مضطرة، لكن السيدة أغلقت الباب في
وجهها دون رحمة.
رجعت إلى بيتها تبكي بصمت، كانت دموعها تختلط بالغبار على وجهها، وحين رآها
سامي لم يقل شيئاً، فقط وضع يده الضعيفة على كتفها وقال: "اصبري يا هناء،
لعلّ الله يفرجها". لكنها لم تعد تملك صبراً كالسابق.
مرّت الأيام، وفي أحد الأيام الباردة، مرض يوسف الصغير. ارتفعت حرارته بشدة ولم يكن لديهم دواء ولا مال لزيارة الطبيب. هرعت هناء به إلى المستشفى القريب، وهناك وقف الطبيب وقال لها إن الطفل يحتاج إلى علاج فوري أو قد تتدهور حالته، لكن العلاج مكلف. نظرت إليه بعينين تملؤهما الدموع وسألته إن كان يمكنهم الدفع لاحقاً، فأجابها الموظف ببرود: "آسفين، دي تعليمات الإدارة".
خرجت وهي تحمل ابنها على صدرها، والريح تضرب وجهها كأنها تسخر من ضعفها. جلست على الرصيف أمام المستشفى تبكي، بينما كان يوسف يئنّ بين ذراعيها. لم يكن أحد يهتم، فالناس في المدينة اعتادوا على مشاهد كهذه.
في تلك الليلة، لم يغمض لسامي جفن. جلس قرب ابنه طوال الليل، يضع قطعة قماش مبللة على جبينه ويحاول أن يخفف حرارته، لكن الفجر جاء ووجه الطفل شاحب ويداه باردتان. صرخت هناء حين أدركت أن يوسف لم يعد يتنفس، وسقط سامي على الأرض يبكي بصوتٍ لم يسمعه أحد منذ سنين.
بعد وفاة يوسف، تغيرت الحياة في البيت. لم يعد الأطفال يضحكون، ولم تعد هناء تتحدث كثيراً، وصار سامي كظلّ يتحرك بلا هدف. كان يجلس أمام باب البيت ساعات طويلة يحدق في الطريق، يراقب الناس الذين يمرون بسياراتهم الفارهة ويتساءل بصمت: لماذا يولد بعض الناس فوق السجاد الأحمر وآخرون فوق التراب؟
مرت سنة على وفاة يوسف، وفي أحد الأيام جاء رجل من الحي ليخبر سامي أن هناك جمعية خيرية تبحث عن عامل بسيط لصيانة الأثاث في مدرسة جديدة. لم يصدق سامي نفسه، هرع إلى المكان رغم يده المصابة، وأقنع المدير أن يمنحه فرصة. وافق الرجل بشرط أن يكون الأجر قليلاً. لم يهتم سامي، المهم أن يعود إلى العمل.
بدأ سامي يعمل ببطء وألم، لكنه كان سعيداً لأنه شعر أن للحياة طعماً من جديد. بعد أسابيع قليلة، تحسّن دخل الأسرة قليلاً، وعادت ليلى وكرم إلى المدرسة، وبدأت هناء تبتسم قليلاً من جديد. كانت أيام بسيطة، لكنها تحمل شيئاً من الأمل.
غير أن الواقع لم يكن يرحم طويلاً، فبعد أشهر قليلة قررت الجمعية إنهاء عقود العمال بحجة تقليص النفقات. عاد سامي إلى بيته يحمل ورقة الاستغناء، وكأن القدر يسخر منه مجدداً. جلس تلك الليلة صامتاً، لم يتكلم، لم يصرخ، فقط نظر إلى يده المشلولة وهمس: "حتى أنت خذلتيني".
تدهورت أحوال الأسرة مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن فيهم قوة للبكاء. حتى ليلى التي كانت تحلم أن تصبح معلمة بدأت تعمل خادمة في بيت قريب لتساعد أمها. وفي إحدى الليالي، جلست هناء إلى جوار زوجها وقالت: "بتعرف يا سامي، يمكن ربنا ما كتب لنا نعيش مرتاحين في الدنيا، بس يمكن الصبر ده له أجر كبير عنده".
ابتسم سامي وقال: "يمكن فعلاً، بس نفسي أولادي ما يعيشوش اللي عشناه".
مرت الأعوام، وكبر كرم وأصبح شاباً، لكنه ترك المدرسة وبدأ يعمل في ورشة
تصليح سيارات. أما ليلى فقد تزوجت من رجل بسيط من نفس الحي. بقي سامي وهناء
وحدهما في البيت القديم، يجلسان أمام الباب كل مساء يتذكران أيامهما
الأولى، وطفلهما الذي رحل مبكراً.
كانت الحياة قد أنهكتهما، لكن في عيونهما ظلّ بريق صغير لا ينطفئ، بريق
الأمل بأن الغد قد يكون أرحم، حتى لو لم يكن لهما، فربما لأبنائهما أو
لأطفالٍ آخرين وُلدوا على نفس التراب.
في إحدى الأمسيات، جلس سامي يتأمل الغروب، وأمسك بيد هناء وقال بصوت متهدج:
"تعرفي يا هناء؟ كل شيء مرّ بنا، الجوع، المرض، الفقد، بس الشيء الوحيد
اللي ما مات فينا هو الرحمة... يمكن ده اللي بيخلي الإنسان يعيش رغم كل
الألم".
نظرت إليه هناء والدموع تملأ عينيها وقالت: "الناس اللي زيّنا يا سامي يمكن حياتهم صعبة، بس قلوبهم أنضف من ناس عايشة في القصور".
ابتسم، ثم تنهد وقال: "يمكن الفقر مش دايماً عقاب، يمكن اختبار... بس أتمنى إن ربنا يرحمنا من كتر الاختبارات".
وبينما الشمس تغيب ببطء خلف الجبال البعيدة، جلس الاثنان صامتين، لا
ينتظران شيئاً سوى أن تهدأ قلوبهم، بعدما أنهكها هذا الواقع الأليم الذي لا
يرحم أحداً. كانت حياتهما تشبه حياة آلاف من الناس في هذه المدينة، أناس
يعيشون على الهامش، يبتسمون رغم الوجع، ويصمدون رغم الانكسار، فقط لأنهم لم
يتعلموا أن يستسلموا.
وهكذا، بقي بيت سامي شاهداً على قصة من ملايين القصص التي لا تُروى، قصص
أناس حقيقيين يسيرون في الطرقات كل يوم يحملون وجعهم بصمت، لا يكتب عنهم
أحد، ولا يراهم أحد، لكنهم هم من يصنعون معنى الحياة الحقيقي وسط هذا
العالم القاسي

أرائكم تسعدنا:لمتابعة التعليق حتى نرد عليك فقط ضع إشارة على إعلامى